يشهد القارة الأوروبية ظاهرة متزايدة حيث يتأخر الأزواج في الإنجاب، وهو اتجاه يبدو مستمراً دون مؤشرات واضحة على التغيير في المستقبل القريب. اللافت في هذه الظاهرة هو أن الدول الأوروبية التي تتصدر قائمة تأخير الإنجاب هي نفسها الدول التي تسجل معدلات خصوبة أعلى نسبياً، مما يثير تساؤلات حول العلاقة بين هذه العوامل.

قد يفسر هذا التباين جزئياً الارتفاع الكبير في عدد عمليات علاج الخصوبة، والتي تمنح الأزواج نافذة أوسع لتحقيق حلم الإنجاب. ففي عام 2021 وحده، تجاوز عدد دورات العلاج مليون دورة عبر أوروبا. وعلى الرغم من أن غالبية الأوروبيين لا يزالون يفضلون إنجاب طفلين كأسرة مثالية، إلا أن العقبات الاقتصادية تشكل حاجزاً أمام تحقيق هذا الهدف.

تأخر الإنجاب الأوروبي: الواقع والتحديات

تعتبر مسألة تأخر الإنجاب في أوروبا موضوعاً معقداً تتشابك فيه العوامل الاجتماعية والاقتصادية. تشير البيانات إلى أن الأزواج الأوروبيين أصبحوا ينتظرون لفترات أطول قبل اتخاذ قرار إنجاب الأطفال. هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة تراجع الرغبة في تكوين أسرة، بل يعكس على الأرجح تغيرات في الأولويات ونمط الحياة.

المفارقة تكمن في أن الدول التي تشهد أطول فترات تأخير للإنجاب، مثل إسبانيا وإيطاليا، غالباً ما تسجل معدلات خصوبة أعلى مقارنة ببعض الدول الأخرى التي تتخذ قرار الإنجاب مبكراً. يعتقد الخبراء أن هذا يعود إلى عوامل متعددة، منها تحسن الظروف الصحية والاجتماعية التي تتيح للنساء الاستمرار في تأجيل الأمومة مع الحفاظ على فرصهن في الإنجاب.

الازدهار في علاج الخصوبة

يعد الارتفاع الملحوظ في عدد دورات علاج الخصوبة دليلاً قوياً على سعي الأزواج للتغلب على تحديات الإنجاب. مع تجاوز مليون دورة علاجية في عام 2021 على مستوى أوروبا، يتضح أن هذه التقنيات تلعب دوراً محورياً في تمكين الأفراد من تحقيق أهدافهم الأسرية. تسمح هذه العلاجات بتمديد “نافذة الفرصة” للإنجاب، وهو أمر مهم بشكل خاص للأزواج الذين يؤجلون القرار لأسباب مهنية أو شخصية.

ومع ذلك، يظل الحلم العائلي لمعظم الأوروبيين بتكوين أسرة تضم طفلين بعيد المنال للكثيرين بسبب القيود المالية. تبرز المجر كواحدة من الدول التي يعزو فيها أكثر من ثلث السكان القيود المالية كعائق رئيسي أمام الإنجاب، بينما تشير نسبة 30% من الإيطاليين إلى انعدام الأمن الوظيفي كسبب أساسي. هذه التحديات الاقتصادية تبدو مشتركة ومتكررة في العديد من السياقات.

محدودية فعالية الإنفاق الحكومي على دعم الإنجاب

على الرغم من الجهود المبذولة، لا يبدو أن الإنفاق الحكومي الضخم على دعم الإنجاب يحقق دائماً النتائج المرجوة. في بولندا، على سبيل المثال، شهدت أعداد المواليد انخفاضاً حاداً، حيث اقتربت من النصف منذ عام 1990، وذلك على الرغم من السياسات الداعمة للإنجاب. وفي المجر، سجل العام الماضي أدنى عدد للمواليد في التاريخ الحديث للبلاد، مما يشير إلى عمق التحديات التي تواجهها هذه الدول.

على النقيض من ذلك، تواجه دول أخرى مثل كوريا الجنوبية وضعاً أكثر تعقيداً، حيث تسعى الحكومة لتشجيع الأزواج على الإنجاب بوسائل غير تقليدية، بما في ذلك تقديم دعم مالي للأزواج لمجرد الخروج في مواعيد غرامية. هذا الوضع يعكس حاجة ماسة لزيادة معدلات المواليد وتجاوز التحديات الديموغرافية.

تحديات مستقبلية وتساؤلات مفتوحة

مع استمرار الاتجاه نحو تأخير الإنجاب والقيود الاقتصادية التي تمنع العديد من الأزواج من تحقيق حجم الأسرة المثالي، تظل التحديات الديموغرافية في أوروبا كبيرة. إن فعالية السياسات الحالية في دعم الإنجاب، ومدى قدرتها على معالجة الأسباب الجذرية للعزوف عن الإنجاب، هي أمور تتطلب مزيداً من البحث والتقييم.

يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الحلول غير التقليدية، مثل تلك التي تطبق في كوريا الجنوبية، يمكن أن تجد صدى في السياق الأوروبي. إن التوجهات الحالية تشير إلى أن القارة ستواصل مواجهة هذا التحدي المعقد، مع استمرار الحاجة إلى استراتيجيات مبتكرة وفعالة لضمان استدامة النمو السكاني.

شاركها.