دعا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في معرض حديثه عن “الأوقات المليئة بالتعريفات: إدارة تسليح التجارة”، إلى تبني موقف أوروبي جديد تجاه الوضع العالمي. وأشار ستوب إلى أن العالم يقف أمام خيارات ثنائية واضحة، إما دعم نظام عالمي متعدد الأقطاب يعتمد على المصالح للصفقات، أو نظام عالمي متعدد الأطراف يؤمن بالمؤسسات الدولية والقواعد والمعايير والتعاون. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التوترات التجارية والجيوسياسية، مما يلقي بظلاله على مستقبل النظام الاقتصادي العالمي.
خلال مشاركته في حلقة نقاش بعنوان “الأوقات المليئة بالتعريفات: إدارة تسليح التجارة”، أوضح الرئيس الفنلندي في منتدى ميونخ الأمني أن أوروبا تواجه مفترق طرق يتطلب إعادة تقييم شاملة لعلاقاتها الدولية. وأكد ستوب أن الاختيار المطروح أمام القارة يتمثل في الانخراط في نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتميز بالصفقات القائمة على المصالح المباشرة، أو الالتزام بمنهج متعدد الأطراف، وهو ما تدعمه فنلندا عبر التمسك بالمؤسسات الدولية وسيادة القانون والتعاون الدولي.
مستقبل النظام العالمي وتأثير الجنوب العالمي
شدد الرئيس ستوب على أن الجنوب العالمي سيكون له الدور الحاسم في تشكيل النظام العالمي المقبل، وذلك بفعل العوامل الديموغرافية والاقتصادية والجيوسياسية. وتساءل عن كيفية تقديم “قيمة مضافة” مقنعة لهذا الجزء من العالم، مشيراً إلى ضرورة أن تقوم السياسة الخارجية الفنلندية على “الواقعية القائمة على القيم”. وتعني هذه المقاربة الالتزام بالقيم الأساسية مثل حقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية وسيادة القانون، مع مراعاة الواقع الجيوسياسي المعقد.
وأكد ستوب أن حل القضايا المعقدة مثل التجارة والصراعات وتغير المناخ والتكنولوجيا لا يمكن أن يتم بالاعتماد فقط على الدول ذات التفكير المماثل. وأضاف أن الانفتاح على شركاء متنوعين هو أمر ضروري لمواجهة التحديات العالمية الراهنة، وأن التنوع في العلاقات الدولية يمكن أن يؤدي إلى حلول أكثر استدامة وشمولية. هذه الرؤية تعكس تحولاً محتملاً في الفكر الاستراتيجي الأوروبي نحو تبني نهج أكثر تكيفاً مع الواقع العالمي المتغير.
الواقعية القائمة على القيم: نهج جديد لسياسة فنلندا الخارجية
أوضح الرئيس الفنلندي أن سياسة بلاده الخارجية ترتكز على مفهوم “الواقعية القائمة على القيم”. وهذا يعني الالتزام الراسخ بالقيم الأساسية التي تدعمها فنلندا، مثل حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، والديمقراطية، وسيادة القانون. وفي الوقت نفسه، أكد ضرورة التحلي بالواقعية، مشيراً إلى أنه لا يمكن حل القضايا العالمية المعقدة مثل العلاقات التجارية، والصراعات الدولية، وأزمة المناخ، والتطورات التكنولوجية، بالعمل فقط مع الدول التي تتشارك نفس القيم والمواقف.
ويعكس هذا المفهوم فهماً متزايداً لضرورة الانخراط مع مجموعة واسعة من الدول، حتى تلك التي قد تختلف معها في بعض القيم أو الأوجه السياسية. الهدف هو بناء جسور التعاون وفتح قنوات الحوار لمواجهة التحديات المشتركة، وهو ما يعزز من قدرة فنلندا، كقوة متوسطة، على المساهمة بفعالية في الساحة الدولية. وهذا النهج يهدف إلى تحقيق توازن بين المبادئ والقيم الأساسية وبين الضرورات العملية للتعامل مع واقع عالمي معقد ومتعدد الأبعاد.
تقدير لدور منظمة التجارة العالمية
في سياق المناقشات، عبر الرئيس ستوب عن امتنانه للمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، لوصفها فنلندا بأنها “قوة متوسطة”. هذا التقدير يعكس اعترافاً بدور فنلندا كدولة مؤثرة ولكنها لا تمتلك القوة الجيوسياسية للدول العظمى، مما يمكنها من لعب دور وسيط وبناء جسور تواصل بين مختلف الأطراف. إن وصف “القوة المتوسطة” يؤكد على قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على التأثير في القضايا العالمية من خلال الدبلوماسية والتعاون.
ويشير هذا الاعتراف إلى أهمية المنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية في تعزيز الاستقرار والتعاون الاقتصادي العالمي. كما يسلط الضوء على ضرورة إشراك جميع الدول، سواء الكبرى أو المتوسطة، في تصميم وإدارة النظام الاقتصادي العالمي. إن المساهمات النصائح التي تقدمها شخصيات رفيعة مثل المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، وخاصة في المنتديات الهامة مثل مؤتمر ميونخ الأمني، تساهم في تشكيل فهم أعمق للتحديات والفرص التي تواجه المجتمع الدولي.
الآفاق المستقبلية والتحديات القادمة
يطرحت تصريحات الرئيس الفنلندي رؤية مستقبلية تتطلب من الدول الأوروبية، وغيرها من الدول الغربية، إعادة التفكير في استراتيجياتها للتكيف مع النظام العالمي المتغير. إن التركيز على الجنوب العالمي كقوة رئيسية مؤثرة يعكس واقعاً لا يمكن تجاهله، ويتطلب مقاربة دبلوماسية واقتصادية جديدة. ويبقى التحدي الأكبر هو كيفية الموازنة بين الالتزام بالقيم الأساسية وبين ضرورة التعامل الواقعي مع القوى المختلفة في الساحة الدولية.
من المتوقع أن تتزايد النقاشات حول سبل تعزيز التعاون الدولي في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية المتصاعدة. سيتعين على صناع القرار مراقبة ردود الفعل من الدول المختلفة، وخاصة من الجنوب العالمي، على هذه الدعوات لنهج جديد. كما ستكون القرارات التي ستتخذها المؤسسات الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية، حاسمة في تحديد مسار النظام الاقتصادي العالمي في السنوات المقبلة. الاستجابة لاتجاهات تغيير موازين القوى العالمية تبقى هي القضية المحورية التي ستستمر في تشكيل المشهد الدولي.






