تتوالى فضائح عالمية تكشف عن أوجه مظلمة في عالم الثراء والسلطة، حيث تبرز قضية الملياردير اليهودي جيفري إبستين كنموذج صارخ لما يمكن أن يحدث عندما تمتزج الثروة بالنفوذ، لتكشف عن شبكات فساد واستغلال جنسي مروعة. ومع نشر ملايين الوثائق المتعلقة بقضية إبستين، عادت إلى الواجهة العديد من القضايا المشابهة التي تسلط الضوء على استغلال السلطة والمال في ارتكاب جرائم مروعة، مما يثير تساؤلات حول الأخلاقيات السائدة في المجتمعات الحديثة.
لم تعد الأحاديث عن الاستغلال الجنسي والسادية مجرد همسات في زوايا مظلمة، بل أصبحت ملايين الوثائق والصور شاهدة على وحشية لا يمكن تصورها. تتجسد هذه الصور من ركام ورماد، شهادة على تحطم صورة العالم المتحضر، وعودته إلى دركات مظلمة. وفي هذا السياق، يظهر عالم جيفري إبستين، باعتباره واحداً من أكثر الأمثلة بشاعة لما يمكن أن يؤول إليه “رجس من عمل الشيطان”.
إبستين.. راهب جزيرة الشيطان والبغاء
لم تكن ملايين الوثائق المتعلقة بقضية إبستين سوى غيض من فيض، تكشف عن تنوع مروع في نوازع الشر والسادية. تنوع يمتد عبر الأشخاص والمؤسسات، ويتجذر في أعماق بهيمية وجريمة، تأخذ أحياناً وجه العبادة، وتنساق أحياناً أخرى خلف لذة آثمة.
بدأ إبستين، الثري الأمريكي، حياته المهنية في التدريس، قبل أن يتحول إلى الاستثمار المصرفي. ومن هناك، قادته أجنحة خفية إلى دوائر النفوذ والقرب من قادة السياسة في العالم، حيث نسج شبكات دعارة واتجار بالقاصرات، وفقاً للتهم الموجهة إليه. عُرف الملياردير بصمته الغامض، ودوره كـ”يد ثالثة” لعدد من أبرز رجالات السياسة والنفوذ.
لكن نهاية إبستين جاءت مختلفة. فقد قضى منتحراً في سجنه عام 2019، بعد توجيه اتهامات إليه تضمنت ما يمجه الذوق وتنبذه الشرائع. ومع ذلك، لم يكن إبستين الأول، وربما لن يكون الأخير، في عالم الإباحية وعبادة الشر، بل يمثل تطوراً أكثر حداثة لمذاهب قديمة، مدفوعاً بالثروة والسلطة.
فيما يقضي إبستين عقابه، لا تزال وثائقه وتاريخ جزيرته تهز الضمير العالمي، وتقض مضاجع المسؤولين والمشاهير الذين زاروها، تاركين خلفهم بصمات لا يمكن بثها في سجلات النبلاء.
لوفوغيل.. حوّل التعليم إلى مدرسة للبغاء
ليست حالة إبستين فريدة، فبعد وفاته بخمس سنوات، كشف الادعاء العام في فرنسا عن “إبستين آخر”، وهو جاك لوفوغل، الذي اتهم بالاعتداء على 89 قاصراً في 9 دول عبر 5 قارات. على مدى 55 عاماً، أفلت لوفوغل من الرقابة، متستراً خلف صورة معلم ينشر المعرفة.
كشفت ابن أخيه عن سجل جرائم موثق في مفاتيح ذاكرة إلكترونية، تحتوي على مذكرات مفصلة وصور لضحايا. كان لوفوغل يجمع بين صورة المربي المتميز ووحشية المجرم، موثقاً جرائمه ومنحها بعداً فكرياً. اعتمد على فلسفة غريبة، استهدفت الفتيان بين 13 و17 عاماً، وربط جرائمه بالأساطير اليونانية.
توزعت ممارسات لوفوغل على أجساد ضحاياه في دول متعددة، مستغلاً مهنة التعليم كغطاء. وتضمنت مذكراته اعترافات بقتل والدته وخالته، زاعماً أنه فعل ذلك رحمة بهما وإنهاءً لمعاناتهما مع المرض.
فرنسي يدير شبكة لنشر الإيدز في السنغال
تتشابك قضايا الرجس في عالم اليوم، فعلى الضفة الغربية للأطلسي، يبدو إبستين مصغراً في حجم أفريقي. فقد أوقعت السلطات الأمنية في السنغال شبكة للاتجار بالجنس واستغلال الأطفال، ونشر مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). يترأس الشبكة فرنسي يدعى “بيير ر.”، يملك عقارات وأماكن ترفيه في السنغال.
على مدى تسع سنوات على الأقل، استدرج “بيير ر.” فتيات وفتيان قاصرين، ووفرهم لضباط وشخصيات سياسية ومنتخبين. أسفرت مداهمات السلطات السنغالية عن ضبط أدوات مرتبطة بهذه الممارسات. ويلاحق “بيير ر.” في فرنسا بتهم القوادة والاغتصاب والاعتداء الجنسي المنظم.
أدى سقوط شبكة بيير إلى سقوط متوال لشخصيات إعلامية وسياسية في السنغال، مما كشف عن شبكات للمثلية والدعارة في هذا البلد الإسلامي.
واينستين.. السينمائي الذي أطلق انتفاضة نسائية
إلى جانب الحالات المذكورة، هناك قضايا مشابهة أثارت ضجة عالمية، أبرزها فضائح المنتج السينمائي هارفي واينستين. اتهمته أكثر من 80 امرأة بالتحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب. شكلت شهادتهن شرارة انطلاق حركة “مي تو” (#Me Too)، التي فضح العشرات من المتهمين بالاعتداءات الجنسية في قطاعات الترفيه والسياسة والأعمال.
سافيل.. صاحب أشهر فضائح جنسية في بريطانيا
طيلة عقود، اعتبر جيمي سافيل، نجم التلفزيون البريطاني، أحد أعمدة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). بدأت فضائحه بالظهور عام 2012، بعد وفاته، حيث تقدمت مئات الضحايا بشكاوى ضد سافيل، معلنة الشرطة عن حملة اعتقالات. أظهرت التقارير أن سافيل اعتدى جنسياً على فتيات وأطفال لعقود.
في عام 2016، اعترفت بي بي سي بفشلها في وقف اعتداءات سافيل، بسبب “ثقافة الخوف” و”الشعور بأن المشاهير لا يمكن المساس بهم”. كشف تحقيق أن سافيل كان يستغل شهرته لاصطياد ضحاياه في غرف تبديل الملابس داخل مباني بي بي سي. كما شهدت الولايات المتحدة قضايا مشابهة، مثل قضية شون ديدي كومز.
تكشف هذه القصص المقززة أن التقدم المادي قد لا يقابله تقدم أخلاقي، بل قد يقود إلى انفصال عن القيم، مما يثير تساؤلات جدية حول المنظومة الأخلاقية التي تحكم عالم اليوم. وفي ظل هذه الفضائح المستمرة، يترقب العالم ما إذا كانت هناك خطوات جادة ستتخذ لضمان المساءلة وتغيير هذه الثقافة المروعة.






