دعت شخصيات صناعية بارزة، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، إلى معاملة أمن الطاقة في أوروبا بنفس القدر من الأولوية والجدية المخصصة للدفاع، مسلطين الضوء على ضرورة تعزيز البنية التحتية للطاقة في مواجهة التهديدات المتزايدة. يأتي هذا المطلب في ظل تصاعد المخاطر الهجينة والهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، مما كشف عن نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي.
أشار المتحدثون إلى أن أوروبا تعيش واقعًا جديدًا يتسم بتهديدات متنامية، مما يستلزم تحولاً جوهريًا في منهجية التعامل مع أمن الطاقة. وأكدوا على أهمية إدراج الاستعداد للهجمات المادية والهجينة، والقدرة على الاستجابة لها، والتعافي منها، كعناصر أساسية في استراتيجيات شركات الكهرباء المستقبلية.
تعزيز أمن الطاقة في أوروبا: الحاجة الملحة والتهديدات المتزايدة
تدعو الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية للطاقة الأوروبية وتقوية قدرات إصلاحها، مع التأكيد على ضرورة ترسيخ المرونة السيبرانية في تصميم الأنظمة منذ البداية. شهدت أوروبا خلال الفترة الأخيرة تزايداً ملحوظاً في التهديدات الهجينة، بما في ذلك أعمال التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل، حيث يرى الخبراء أن روسيا تختبر مرونة القارة.
وفقاً لبيانات صناعية، تعرضت البنية التحتية الحيوية لأوروبا لما لا يقل عن 11 هجوماً تسبب في أضرار خلال عام 2024. ومنذ عام 2022، استهدفت 23 هجوماً سيبرانياً قطاع الطاقة الأوروبي. وتتزايد هذه الحوادث في حجمها وتواترها، مما يضع ضغوطاً كبيرة على شركات الطاقة لضمان استمرارية الإمدادات.
وقد برزت هذه المخاوف بشكل ملموس في أوائل العام الحالي، عندما ترك انقطاع التيار الكهربائي ما يقرب من 45,000 أسرة في برلين بدون كهرباء عقب تعرض خطوط الكهرباء ذات الجهد العالي لأضرار نتيجة حريق.
التقنيات النظيفة والأمن السيبراني: تحديات الثورة الخضراء
مع انتقال الاتحاد الأوروبي نحو إنتاج الطاقة النظيفة، أصبحت أجهزة “العاكسات” (Inverters) تلعب دوراً محورياً. تقوم هذه الأجهزة بتحويل تيار الكهرباء المستمر من مصادر متجددة مثل الألواح الشمسية والبطاريات وأنظمة الرياح إلى تيار متردد يمكن استخدامه في الشبكة الكهربائية. بدون هذه العاكسات، يصبح دمج الطاقة النظيفة في الشبكة أمراً بالغ الصعوبة، مما يجعلها ركيزة أساسية لأمن الطاقة الأوروبي واستقرار النظام الكهربائي.
ومع ذلك، يمثل هيمنة الصين على إنتاج هذه العاكسات مصدر قلق كبير لأوروبا. في نوفمبر الماضي، حث مشرعون أوروبيون المفوضية الأوروبية على تقييد وصول الشركات الصينية المصنعة للعواكس الشمسية إلى البنية التحتية للطاقة في الاتحاد، وذلك بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني.
تهيمن شركات صينية مثل هواوي (Huawei)، وسونجرو (Sungrow)، وجروات (Growatt) على غالبية تركيبات العواكس في أوروبا، حيث تستحوذ على ما يقرب من 70-80% من السوق، في حين تتنافس الشركات الأوروبية على الحصة المتبقية، وفقًا لبيانات من منصة البيع بالجملة للطاقة الشمسية PV wholesale platform sun store.
الطاقة والأمن: خيوط متشابكة في ظل التوترات الجيوسياسية
تتداخل قضية أمن الطاقة مع الأمن القومي بشكل متزايد، مما يعكس التوترات الجيوسياسية الراهنة وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمي. وفي ديسمبر الماضي، شارك مسؤولون من حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأول مرة في اجتماع لوزراء طاقة الاتحاد الأوروبي لمناقشة العلاقة بين الطاقة والأمن في ظل التوترات الجيوسياسية والحرب الروسية الأوكرانية.
تركزت المناقشات على حماية البنية التحتية للطاقة الحيوية، استجابة للهجمات التي استهدفت الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب. ويهدف هذا التعاون إلى تعزيز التكامل بين سياسات الدفاع والطاقة، التي أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بفعل التهديدات المشتركة.
وفي هذا السياق، أكدت نائبة الأمين العام لحلف الناتو، رادميلا شيكيرينسكا، أن الحفاظ على التواصل مستمراً مع وزراء الطاقة “أمر بالغ الأهمية” لضمان سلامة البنية التحتية الحيوية، التي أكد الحلف على حمايتها. وتشير المصادر الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي إلى قلق الحلف من تزايد تشابك الصناعة الروسية مع الصين، بالإضافة إلى علاقاتها مع إيران وكوريا الشمالية، مما يستدعي تحولاً نحو “عقلية الحرب”.
من المتوقع أن تسفر المناقشات المستمرة بين مسؤولي الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عن خطط تفصيلية لتعزيز الأمن السيبراني للبنية التحتية للطاقة، وتطوير آليات استجابة مشتركة للتهديدات الهجينة. كما يتوقع المتابعون أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على تنويع مصادر توريد التكنولوجيا الحيوية مثل العواكس، وتقليل الاعتماد على موردين وحيدين، لضمان استقلالية وأمن الطاقة الأوروبية.






