في خطوة تتحدى بشكل مباشر رئيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، على ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتحقيق استقلالية أكبر في مجال الأمن، وذلك خلال كلمتها التي ألقتها في مؤتمر ميونخ للأمن. جاءت تصريحاتها ردًا على ما اعتبرته نظرة متشائمة حول قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، مؤكدة أن الوضع الأمني للقارة أكثر تعقيدًا ويتطلب جهودًا موحدة والتزامًا متبادلًا بين الدول الأعضاء.
شددت فون دير لاين على أن “الوقت قد حان لتفعيل بند الدفاع المتبادل في الاتحاد الأوروبي”، موضحة أن هذا الالتزام ليس “خيارًا بل واجبًا” على دول الاتحاد. تأتي هذه الدعوة في ظل تزايد المخاوف الأمنية العالمية، وتحديدًا بعد عودة النقاش حول دور الولايات المتحدة في دعم الأمن الأوروبي، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم استراتيجيته الدفاعية.
تعزيز الدفاع المتبادل في الاتحاد الأوروبي: تحديات وفرص
أبرزت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أهمية التزام الاتحاد الأوروبي بتعزيز قدراته الدفاعية بشكل مستقل، مشيرة إلى أن الأوضاع الراهنة تتطلب تحركًا جديًا وتفعيلًا لبنود المعاهدات القائمة. وفي حين أن معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي أيضًا أعضاء في حلف الناتو، فإن معاهدات الاتحاد تتضمن بندًا للدفاع المتبادل وهو المادة 42.7، الذي ظل غير مفعل بشكل كامل حتى الآن. مع عودة النقاش حول سياسات الدفاع الأمريكية، يدفع هذا الاتحاد الأوروبي نحو تحديد ماهية “الدفاع الأوروبي المتبادل” بشكل أكثر وضوحًا.
وتعليقًا على تصريحات الأمين العام لحلف الناتو، مارك روتا، الذي شكك في قدرة أوروبا على ضمان أمنها بمفردها، قالت فون دير لاين: “يا صديقي العزيز، ليس هناك فقط استمرار للوضع الراهن أو انقسام وتفكك. هناك الكثير بينهما، والوضع الراهن ليس مرضياً، لا لنا ولا للولايات المتحدة”. وأضافت: “دعونا نطور قوتنا دون الاعتماد المستمر على شخص آخر”.
في وقت سابق من الشهر الماضي، أثار روتا جدلاً بتصريحاته لنواب أوروبيين قال فيها: “إذا كان أي شخص يعتقد هنا، مرة أخرى، أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، فليواصل أحلامه. لا يمكنك ذلك. نحن لا نستطيع. نحن بحاجة إلى بعضنا البعض.” وأشار روتا إلى أن الدول الأوروبية ستحتاج إلى إنفاق 10% من ناتجها المحلي الإجمالي، بدلاً من الهدف الحالي البالغ 5%، لتعويض أي تراجع في الدعم الأمريكي. وقدّر أن هذا المسار سيتضمن بناء قدرات نووية خاصة تكلف مليارات اليوروهات، مما قد يعني فقدان “الضامن النهائي لحريتنا، وهو المظلة النووية الأمريكية.”
تفعيل المادة 42.7: التزام ملزم
في كلمتها بمؤتمر ميونخ، أكدت فون دير لاين أن أوروبا “تقدم إنجازات” فيما يتعلق بالدفاع، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 80% تقريبًا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية. لكنها أشارت إلى أن أوروبا بحاجة إلى تجاوز مجرد الإنفاق، وأنه “لا يمكن ترك أي محرمات دون تحدٍ”.
وأوضحت فون دير لاين أن “هذا الالتزام لا يحمل وزنًا إلا إذا كان مبنيًا على الثقة والقدرة”، مشيرة إلى المادة 42.7 من معاهدة لشبونة، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2009. تنص هذه المادة على أنه “في حالة تعرض دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لاعتداء مسلح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى بمساعدتها وتقديم الدعم لها بجميع الوسائل الممكنة”.
تم تفعيل المادة 42.7 مرة واحدة فقط في الاستجابة للهجمات الإرهابية في باريس عام 2015، ولكنها تُعتبر بشكل عام أضعف من بند الدفاع الجماعي لحلف الناتو. فبموجب التزامات الناتو، إذا تعرض حليف لهجوم، فإن الباقين يأتون للدفاع عنه، بما في ذلك الولايات المتحدة. يذكر أن حوالي 23 دولة من أصل 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي هي أيضًا أعضاء في الناتو.
السيادة الرقمية الأوروبية: لا تراجع
وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية على أنه لكي تكون أوروبا مستعدة تمامًا للدفاع عن نفسها، يجب عليها “اتخاذ قرارات أسرع”. وأوضحت أن ذلك قد يعني الاعتماد على نتيجة الأغلبية المؤهلة بدلاً من الإجماع، مؤكدة على عدم الحاجة لتغيير المعاهدة، بل “استخدام المعاهدة المتاحة”.
ودعت أيضًا إلى أن تكون الكتلة “مبدعة” من خلال الشراكات مع دول أخرى، مستشهدة بقوة العمليات الاستطلاعية المشتركة بقيادة المملكة المتحدة و”تحالف الراغبين” لدعم أوكرانيا. وتابعت: “ما نحتاج إلى القيام به الآن هو إضفاء الطابع الرسمي على البدايات غير الرسمية لتعاونات أمنية جديدة. وهذا يبدأ بالعمل مع شركائنا الأقرب، مثل المملكة المتحدة والنرويج وآيسلندا وكندا.”
وأكدت على رغبة الاتحاد في “زيادة عروضه للعديد من هؤلاء الشركاء الحيويين”، مما يعني في هذا الوقت المضطرب، أن “أوروبا، وخاصة المملكة المتحدة، يجب أن تقترب أكثر – بشأن الأمن، أو الاقتصاد، أو الدفاع عن ديمقراطياتنا”.
شارك رئيس الوزراء البريطاني، الذي شارك في المناقشة مع فون دير لاين، هذه الرسالة، مشيرًا إلى أن المملكة المتحدة بحاجة إلى “استئناف علاقتها مع الاتحاد الأوروبي” بعد مرور عقد على استفتاء خروجها، باعتبار ذلك “مسألة ملحة” في سياق الحرب في أوكرانيا. وذكر رئيس الوزراء البريطاني أن “أوروبا ككل “لم تفعل ما يكفي” لدفاعها و”يجب أن تغتنم هذه اللحظة” لتعزيز نفسها، مضيفًا: “نريد المزيد مع الاتحاد الأوروبي حتى عن كثب في ضوء التحدي” الذي يواجهونه.
بالإضافة إلى الدفاع، أكدت فون دير لاين أن أوروبا يجب أن تصبح مستقلة على نطاق واسع، من الطاقة إلى التكنولوجيا. وحذرت قائلة: “لا يوجد خيار آخر”. وأشارت إلى أن “نمط الحياة الأوروبي – أسسنا الديمقراطية وثقة مواطنينا – يتعرض للتحدي بطرق جديدة.” وأضافت، في إشارة مبطنة إلى الولايات المتحدة التي هددت بفرض رسوم جمركية على شركائها للحصول على وصول تفضيلي وانتقدت القواعد الرقمية للاتحاد الأوروبي باعتبارها اعتداءً على حرية التعبير، أن هذه التحديات تشمل “كل شيء من الأقاليم إلى التعريفات أو اللوائح التكنولوجية”.
واختتمت فون دير لاين بالقول: “أريد أن أكون واضحة جدًا: سيادتنا الرقمية هي سيادتنا الرقمية”، وأن الاتحاد الأوروبي “لن يتراجع فيما يتعلق بهذا”.
من المتوقع أن تركز المناقشات المستقبلية على الخطوات العملية التي سيتخذها الاتحاد الأوروبي لتفعيل آلية الدفاع المتبادل، وتحديد آليات التعاون مع شركاء خارجيين، وتعزيز القدرات الدفاعية بشكل ملموس. كما ستستمر مراقبة تطورات السياسات الدفاعية الأمريكية وتأثيرها على الترتيبات الأمنية الأوروبية، بينما تسعى أوروبا لترسيخ موقعها كقوة دفاعية مستقلة وفعالة.






