تتجه الحكومات الغربية بشكل متزايد نحو فرض قيود قانونية صارمة على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وذلك في خطوة تهدف لحماية هذه الفئة العمرية من المخاطر الرقمية المتزايدة. وتأتي هذه التحركات متأثرة بالنموذج الأسترالي، التي أصبحت في ديسمبر/كانون الأول الماضي أول دولة تفرض حظرًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن تقل أعمارهم عن 16 عامًا.

وتشمل هذه الإجراءات التشريعية الجديدة، التي تقودها عدة دول غربية، فرض قيود على الوصول إلى الإنترنت، وتنظيم المحتوى، ووضع ضوابط على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا الحراك في ظل قلق متزايد بشأن تأثير هذه المنصات على الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال والمراهقين، بالإضافة إلى تزايد المخاوف بشأن خصوصية البيانات واستغلالها.

بريطانيا تفرض قيوداً صارمة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

وأعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في 16 فبراير/شباط 2026، سعي حكومته إلى الحصول على صلاحيات أوسع لتنظيم الوصول إلى الإنترنت، مؤكدًا على ضرورة مواكبة القوانين للتطورات التكنولوجية المتسارعة. وتهدف هذه الصلاحيات الجديدة، وفقًا لمكتب ستارمر، إلى تسريع وتيرة تطبيق القيود في غضون أشهر بدلًا من سنوات، مما قد يحد من الرقابة البرلمانية على الضوابط المستقبلية.

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت الشهر الماضي عن عزمها إجراء مشاورات بشأن حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون سن 16 عامًا، متبعة بذلك النموذج الأسترالي. ومن المتوقع إدخال هذه الإجراءات كتعديل تشريعي على القوانين الحالية المتعلقة بالجريمة وحماية الأطفال، والتي يناقشها البرلمان حاليًا.

حراك تشريعي يستهدف حسابات القاصرين والذكاء الاصطناعي.

توسع عالمي في القيود على وسائل التواصل الاجتماعي

ويشهد العالم حراكًا متناميًا لفرض قيود على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعلنت إسبانيا واليونان وسلوفينيا عن نيتها اتخاذ إجراءات مماثلة، بينما اقتربت فرنسا من إتمام هذه الخطوة بعد إقرارها من قبل البرلمان. وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز البيئة الرقمية الحالية بـ”الغرب المتوحش”، مؤكدًا أن بلاده ستطالب المنصات بتطبيق أنظمة للتحقق من العمر لحماية القاصرين من محتوى مصمم ليكون إدمانيًا.

وأضاف سانشيز أن الحكومة الإسبانية ستقدم مشروع قانون جديد لمحاسبة مسؤولي وسائل التواصل الاجتماعي عن المحتوى غير القانوني وخطاب الكراهية، بالإضافة إلى تجريم التلاعب بالخوارزميات وتضخيم المحتوى الخطير. وفي سياق متصل، أعلنت الدنمارك عن نيتها فرض حظر على من هم دون 15 عامًا، مع السماح بالوصول لبعض المنصات لمن هم في سن 13 عامًا بموافقة الوالدين. وفي النرويج، تعمل الحكومة على رفع سن الموافقة الرقمية من 13 إلى 15 عامًا، وتدرس إقرار حد أدنى مطلق للاستخدام عند 15 عامًا.

على الصعيد الإقليمي، انضمت تركيا إلى هذا التوجه عبر حراك برلماني مكثف. فقد كشف تقرير للجنة تحقيق برلمانية عن مشروع قانون يهدف إلى حظر منصات التواصل على القاصرين دون سن 16 عامًا. وتشمل التوصيات التركية إجراءات غير مسبوقة، منها فرض قيود ليلية على استخدام الإنترنت للأجهزة التي يستخدمها القاصرون دون 18 عامًا، وإلزام مزودي الخدمة ببناء أنظمة تصفية محتوى إلزامية.

قيود تتسع لتشمل أدوات الذكاء الاصطناعي

وتتوسع الإجراءات المقترحة لتشمل أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي بريطانيا، أكدت الحكومة أن المزيد من “روبوتات الدردشة” ستخضع لحظر إنشاء صور جنسية دون موافقة الشخص المعني، وذلك بعد اتخاذ إجراءات ضد روبوت الدردشة “غروك” (Grok) التابع للمياردير الأمريكي إيلون ماسك. هذه القوانين الجديدة تثير نقاشًا عالميًا حول توازن العلاقة بين تنظيم الفضاء الرقمي وحرية التعبير.

بينما يحذر تربويون من تداعيات سلبية على تركيز المراهقين الاجتماعي والأكاديمي، يخشى آخرون من تقييد حرية التعبير وتزايد نفوذ شركات التكنولوجيا. يرى المراقبون أن هذه التحولات قد تمثل بداية لتنظيم جديد للعلاقة بين المجتمع والعالم الرقمي، خاصة مع تزايد البحث عن أدوات تحقق بيومترية لحماية المستخدمين صغار السن.

من المتوقع أن تشهد الفترة القادمة مزيدًا من التطورات في هذا المجال، حيث ستتابع الحكومات الغربية تأثير هذه القوانين وتدرس سبل تطبيقها بفعالية. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وتعزيز الابتكار الرقمي، بالإضافة إلى ضمان عدم المساس بالحريات الأساسية.

شاركها.