لطالما أحاطت هالة من السرية والغموض بفرق العمليات الخاصة، وعلى رأسها قوات دلتا الامريكية التي تُعرف بكونها القوة الأكثر تدريباً في الترسانة العسكرية للولايات المتحدة. وقد تجلى دور هذه القوات مؤخراً في الأحداث المتسارعة التي شهدتها دولة فنزويلا والقبض على رئيسها، مما أعاد تسليط الضوء على قدرات هذه الفرقة. ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب دائماً بمداد من الانتصارات؛ إذ يحمل في طياته إخفاقات مدوية كشفت أن القوة المفرطة والتدريب العالي لا يضمنان النجاح في مواجهة تعقيدات الجغرافيا والمقاومة الشعبية.


نشأة قوة الصدمة والمهام السرية

تأسست وحدة “دلتا” لتكون اليد الطولى لواشنطن في الخارج، متخصصة في مكافحة الإرهاب وإنقاذ الرهائن والعمليات التي تتطلب دقة جراحية. يتم اختيار عناصرها من نخبة الجيش، ويخضعون لاختبارات تجعلهم “آلات قتالية” قادرة على العمل تحت ضغط هائل.

تعتمد هذه القوات على تكنولوجيا متطورة تشمل:

  • أجهزة رؤية ليلية وحرارية من الجيل الأحدث.
  • طائرات مسيرة انتحارية واستطلاعية فائقة الصغر.
  • أنظمة اتصالات مشفرة ترتبط بالأقمار الصناعية مباشرة.

لكن رغم هذا العتاد، أثبتت التجارب الميدانية أن “التكنولوجيا” تفشل أحياناً أمام “العقيدة” ومعرفة الأرض، وهو ما ظهر في عدة محطات تاريخية.

إخفاقات محفورة في ذاكرة البنتاغون

لا يمكن قراءة تاريخ هذه القوات دون التوقف عند اللحظات التي تعثرت فيها “النخبة”. هذه الإخفاقات لم تكن مجرد خسائر عسكرية، بل كانت صدمات سياسية غيرت مسار التاريخ.

من صحراء إيران إلى شوارع مقديشو

بدأت “دلتا” مشوارها بإخفاق مأساوي في عملية “مخلب النسر” عام 1980 لتحرير الرهائن في طهران، حيث أدت العواصف الرملية والأعطال الفنية إلى تصادم طائرات ومقتل جنود قبل بدء المهمة. تكرر المشهد في الصومال عام 1993، فيما عُرف بمعركة مقديشو، حيث سقطت مروحيات “البلاك هوك” وتحول “كوماندوز النخبة” إلى جنود محاصرين في أزقة ضيقة يواجهون شعباً بأكمله، مما أسفر عن خسائر بشرية أذلت الإدارة الأمريكية حينها.

الفصل الأصعب: خيبة الأمل في غزة

تعتبر تجربة هذه القوات في قطاع غزة خلال العامين الأخيرين من أكثر الفصول غموضاً وإثارة للجدل. تشير تقارير استخباراتية مسربة إلى أن عناصر من هذه الوحدة شاركوا في محاولات استطلاع وتحديد مواقع الأسرى، لكنهم واجهوا واقعاً لم تألفه تدريباتهم في “الموصل” أو “أفغانستان”.

في غزة، واجهت النخبة الأمريكية تحدي “الأنفاق المعقدة” التي وصفها بعض العائدين بأنها “متاهة شيطانية”. كان التوجس الإسرائيلي واضحاً من تدخل هذه القوات؛ فالجانب الإسرائيلي كان يخشى أن يؤدي فشل “دلتا” في غزة إلى تحطيم صورة الردع الغربي بالكامل. وبالفعل، أدت الكمائن المخطط لها بدقة من قبل المقاومة إلى شل قدرة هذه القوات على الحركة، مما أجبرها على التراجع إلى غرف العمليات الخلفية والاكتفاء بالدعم الفني، بعد أن أدركوا أن غزة “مقبرة” لا تعترف بالرتب العسكرية أو التفوق التكنولوجي.

أسباب التعثر المستمر في مناطق النزاع

لماذا تفشل أقوى قوة في العالم أمام مجموعات مسلحة؟ المحللون العسكريون يرجعون ذلك إلى عدة نقاط جوهرية:

  1. عقدة الأنفاق: التقنيات التي تمتلكها “دلتا” تعتمد على الفضاء المفتوح أو المباني، بينما الأنفاق تحت الأرض تلغي ميزة الطيران والاتصالات اللاسلكية.
  2. الاستخبارات المضللة: غالباً ما تعتمد العمليات على معلومات من عملاء محليين يتبين لاحقاً عدم دقتها، مما يوقع القوات في “مصيدة” محكمة.
  3. البيئة الحضرية المعادية: في أماكن مثل غزة أو مقديشو، يصبح كل منزل وكل زقاق مصدر خطر، وتتحول القوة العسكرية الثقيلة إلى عبء يعيق الحركة.

التكلفة السياسية لغرور القوة

إن كل عملية فاشلة لهذه القوات لا تنتهي عند سحب الجنود، بل تمتد لتصبح أزمة ثقة بين واشنطن وحلفائها. في فنزويلا، نجحت القوات في مهمتها، لكنها في غزة وأماكن أخرى واجهت “حقيقة صلبة”؛ وهي أن الإرادة المحلية والمعرفة العميقة بالأرض تتفوق دائماً على خطط الغرف المغلقة. هذا الغرور في تقدير القوة هو ما جعل الإسرائيليين يشعرون بالقلق من التدخل الأمريكي المباشر، خوفاً من “فضيحة عسكرية” جديدة تُسجل في تاريخ الإخفاقات.


كلمة أخيرة

في نهاية المطاف، تبقى تلك التشكيلات العسكرية أداة قوية في يد صانع القرار، لكنها ليست عصا سحرية يمكنها تغيير موازين القوى في كل مكان وزمان. إن التاريخ يعلمنا أن القوة بلا بصيرة، والتدريب بلا فهم لروح الشعوب، غالباً ما ينتهي به الأمر في سجلات الإخفاق. وبينما تفتخر هذه الوحدات بنجاحات معينة، تظل الندوب التي تركتها معارك مقديشو، وصحراء إيران، وأزقة غزة، شاهدة على أن التفوق العسكري له حدود تقف عندها الطموحات السياسية. إن التواضع في مواجهة تعقيدات النزاعات الدولية قد يكون هو الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه قادة العمليات الخاصة في المستقبل.

شاركها.