على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره الأميركي وسط لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق غزة مع ملف سد النهضة وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ويأتي اللقاء بينما تتابع دوائر السياسة والإعلام أخبار ترمب وما يرتبط بعودة التحركات الأميركية في ملفات الشرق الأوسط، في وقت تبرز فيه تساؤلات حول أولويات واشنطن وشروط انخراطها. وفي خلفية المشهد، يبقى حضور دونالد ترمب في قلب المعادلة، بما يحمله من مواقف حادة أحياناً ومفاجآت في توقيتات التدخل والوساطة.

لماذا يكتسب لقاء دافوس هذه الأهمية؟

الرئاسة المصرية أوضحت أن اللقاء، المنعقد خلال أعمال المنتدى (19 إلى 23 يناير)، سيبحث المستجدات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار. لكن وزن اللقاء لا يأتي من الصياغات الدبلوماسية المعتادة فقط، بل من تزامنه مع ثلاثة تطورات رئيسية:

  1. بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وما يتصل بها من ترتيبات أمنية وإدارية جديدة داخل القطاع.
  2. عرض أميركي لاستئناف الوساطة في أزمة سد النهضة ومياه النيل، وهي قضية تصفها القاهرة بأنها وجودية.
  3. تصاعد التوترات الأمنية في محيط البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي، وما يترتب عليها من ضغوط على التجارة والملاحة وأمن الطاقة.

غزة: المرحلة الثانية بين إدارة القطاع وقوة الاستقرار

ملف غزة يتصدر جدول الأعمال، ليس فقط بسبب حساسيته الإنسانية والسياسية، بل لأن المرحلة الثانية تُعد اختباراً لقدرة الأطراف على تثبيت الهدنة وتحويلها إلى مسار مستدام. وفق المعطيات المتداولة، يجري العمل على ترتيبات تتضمن تشكيلات وهيئات جديدة لإدارة القطاع خلال الفترة الانتقالية، إلى جانب إعلان أميركي عن تشكيل “مجلس السلام” ووجود “مجلس تنفيذي تأسيسي” للإشراف على تنفيذ خطة إنهاء الحرب، فضلاً عن لجنة وطنية فلسطينية لإدارة غزة.

بالنسبة للقاهرة، لا تتوقف المسألة عند تثبيت وقف النار، بل تمتد إلى تفاصيل الأمن على الأرض، وخصوصاً طبيعة القوة الدولية المقترحة ومسؤولياتها، وحدود دور الأطراف الإقليمية. ومن أبرز ما تسعى مصر لبحثه:

  • آلية مشاركة القاهرة في قوة الاستقرار الدولية، وحدود التفويض وصلاحيات الانتشار.
  • ضمانات أميركية وجدول زمني واضح لانسحاب كامل القوات الإسرائيلية من غزة خلال المرحلة الثانية.
  • التعامل مع ملف نزع سلاح الفصائل داخل القطاع، باعتباره عقدة سياسية وأمنية قد تُفجّر الاتفاق إن أسيء تصميمها أو تعجل تنفيذها.

كما يتوقع حضور ملف إعادة الإعمار بوصفه “حجر زاوية” للمرحلة التالية، مع حديث عن مؤتمر دولي للدول المانحة لجمع التمويل وإدارة التعهدات، وهي نقطة عادة ما تحتاج إلى مظلة سياسية وضمانات أمنية حتى تتحول الوعود إلى مشاريع.

سد النهضة: الأمن المائي كأولوية قصوى

إذا كان ملف غزة عنواناً للأمن الإقليمي المباشر، فإن سد النهضة يمثل في نظر القاهرة مسألة تتصل بأمن الدولة وحقوقها التاريخية في مياه النيل. السد الإثيوبي على النيل الأزرق، بسعة تخزينية تتجاوز 74 مليار متر مكعب، ظل محور نزاع طويل بين دول المصب ودولة المنبع، مع تعثر الوصول إلى اتفاق ملزم لقواعد الملء والتشغيل.

عودة الوساطة الأميركية تعيد إلى الواجهة تجربة سابقة شهدت إعداد مسودة اتفاق أواخر فبراير 2020 برعاية أميركية ومداخلات فنية دولية، قبل أن تتعثر العملية. لذا، تبدو القاهرة معنية هذه المرة بالحصول على إجابات محددة، لا عناوين عامة، مثل:

  • ما هي آلية الوساطة المقترحة وشكلها: هل ستكون مساراً فنياً-قانونياً أم سياسياً؟
  • ما سقف النتائج المتوقعة: اتفاق ملزم أم تفاهمات مرحلية؟
  • هل ستدخل أطراف إقليمية وسيطة على الخط، وكيف سيؤثر ذلك على ميزان المصالح؟

ومن منظور دبلوماسي مصري، فإن إدراج الملف على طاولة دافوس يُراد منه تثبيت أولوية الأمن المائي في أي مقاربة أميركية للمنطقة، لا التعامل معه كملف ثانوي مؤجل.

البحر الأحمر والقرن الإفريقي: أمن الملاحة وتوازنات جديدة

أشار مسؤولون وخبراء مصريون إلى أن اللقاء سيطرق كذلك تطورات البحر الأحمر والمحيط الهندي وباب المندب والقرن الإفريقي، إضافة إلى الأوضاع في السودان وليبيا والصومال. هذه الملفات مترابطة عملياً: اضطراب الملاحة يرفع كلفة التجارة ويضغط على الاقتصادات، والتوترات قرب الممرات البحرية تعيد رسم خطوط النفوذ، بينما الأزمات في دول الجوار تخلق موجات عدم استقرار تمتد آثارها إلى داخل الإقليم.

علاقة ممتدة… لكن الأولويات تتغير

العلاقات المصرية-الأميركية تمتد تاريخياً لعقود طويلة، وتقوم على شراكة سياسية وأمنية واقتصادية. ومع ذلك، فإن كل مرحلة تُعيد تعريف “التوقعات المتبادلة”. القاهرة تريد دعماً وضمانات في ملفات تعتبرها حيوية، وواشنطن تبحث عن ترتيبات قابلة للاستمرار تقلل مخاطر الانفجار، وتحقق لها نفوذاً منظماً دون كلفة مفتوحة.

في النهاية

لقاء دافوس بين السيسي والرئيس الأميركي يبدو أكثر من مجرد محطة بروتوكولية على هامش منتدى اقتصادي. إنه اجتماع تختبر فيه القاهرة مدى جدية واشنطن في ضمانات غزة، وحدود الوساطة في سد النهضة، وقدرة الطرفين على تنسيق المقاربة الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وإذا كانت الملفات كثيرة، فإن معيار النجاح سيقاس بمدى الخروج بتفاهمات قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واقعية، وآليات متابعة تمنع تكرار دورات التعثر التي أنهكت المنطقة في السنوات الماضية.

شاركها.