يشهد المشهد السوري تحولات جذرية في الأشهر الأخيرة، مع تقدم قوات الحكومة السورية في مناطق شمال شرق البلاد بالتزامن مع إعادة تقييم الدور الإقليمي والدولي. وتأتي هذه التطورات في أعقاب اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” يهدف إلى دمج القوات واستعادة سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية. تُعد هذه الخطوة الأبرز نحو تحقيق الاستقرار السياسي بعد سنوات من الصراع.

تطورات الأوضاع في سوريا والتوجهات الجديدة

بعد سنوات من الحرب الأهلية السورية، والتي بدأت في عام 2011، شهدت البلاد انقسامات كبيرة وتدخلات إقليمية ودولية معقدة. برزت قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة، كقوة رئيسية في مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي، وسيطرت على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا. ومع ذلك، أدى هذا الوضع إلى توترات مع الحكومة السورية وتركيا، التي تعتبر “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.

في أواخر عام 2024، وبعد فترة من عدم الاستقرار، تشكلت حكومة جديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع. وقد بدأت هذه الحكومة على الفور في السعي إلى إعادة توحيد البلاد من خلال المفاوضات مع مختلف الأطراف، بما في ذلك “قسد”. وقد أثمرت هذه الجهود عن اتفاق مبدئي يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام وإعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة.

التقدم العسكري والضغط السياسي

شهدت الأسابيع الأخيرة تقدمًا ملحوظًا لقوات الحكومة السورية في محافظة الحسكة، بما في ذلك دخولها إلى مخيم الهول الذي يضم عائلات عناصر تنظيم “داعش”. وقد جاء هذا التقدم بعد إعلان “قسد” عن نيتها الانسحاب من بعض المواقع الاستراتيجية، وذلك في إطار الاتفاق مع الحكومة. وفي خطوة لزيادة الضغط على “قسد”، منحت الحكومة مهلة مدتها أربعة أيام للموافقة على خطة الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، وهو ما حثت عليه الولايات المتحدة.

كبادرة حسن نية، عرضت الحكومة السورية على “قسد” ترشيح شخصية لتولي منصب مساعد وزير الدفاع، في إطار عملية الدمج المقترحة. ومع ذلك، لا تزال “قسد” تسيطر على مدينتي الحسكة والقامشلي، وقد أكدت الحكومة أنها لن تدخل المدينتين عسكريًا خلال فترة المهلة، بهدف إتاحة الفرصة للتوصل إلى حل سياسي سلمي.

الدور الأمريكي المتغير في سوريا

يشكل الموقف الأمريكي الحالي تحولًا ملحوظًا في سياستها تجاه سوريا. فبعد أن كانت الداعم الرئيسي لـ”قسد” في الحرب ضد “داعش”، تبدو الإدارة الأمريكية الآن أكثر استعدادًا لدعم جهود الحكومة السورية في بسط سيطرتها على كامل أراضيها. وقد صرح المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، بأن اتفاق الاندماج يمثل “أفضل فرصة للأكراد” لضمان حقوقهم الثقافية والسياسية ضمن إطار الدولة الموحدة.

يعكس هذا التغيير في الموقف الأمريكي قناعة بأن الهدف الرئيسي من دعم “قسد”، وهو القضاء على تنظيم “داعش”، قد تحقق إلى حد كبير. وترى واشنطن الآن أن الأولوية القصوى هي تحقيق الاستقرار في سوريا ومنع عودة الفوضى والإرهاب. كما أن الولايات المتحدة تسعى إلى تخفيف التوترات مع تركيا، التي تعتبر “قسد” تهديدًا لأمنها القومي.

بنود اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج

يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الذي تم التوصل إليه بين الحكومة السورية و”قسد” عدة بنود رئيسية، من بينها تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريًا وعسكريًا للحكومة السورية. كما ينص الاتفاق على دمج جميع عناصر “قسد” العسكرية والأمنية بشكل فردي في وزارتي الدفاع والداخلية. بالإضافة إلى ذلك، ستتولى الحكومة السورية المسؤولية الكاملة عن إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وكذلك عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم “داعش”.

ويتضمن الاتفاق أيضًا التزام “قسد” بإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من الأراضي السورية. وتعتبر هذه البنود حاسمة لتركيا، التي تشترط تحقيقها لضمان أمنها القومي.

الاعتراف بالحقوق الكردية ومستقبل سوريا

في خطوة تهدف إلى طمأنة المكون الكردي في سوريا، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا تاريخيًا يعترف بأن المواطنين الكرد جزء لا يتجزأ من الشعب السوري، ويقر بحقوقهم الثقافية واللغوية. وينص المرسوم على اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس، ومنح الجنسية السورية لجميع مكتومي القيد، واعتبار عيد “النوروز” عطلة رسمية في البلاد.

تُعد هذه الخطوات بمثابة بادرة مهمة نحو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في سوريا. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه عملية إعادة الإعمار والاستقرار، بما في ذلك الوضع الاقتصادي المتردي، وتفشي الفساد، واستمرار التوترات الإقليمية. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من المفاوضات بين الحكومة السورية و”قسد” لتحديد آليات تنفيذ اتفاق الاندماج، مع التركيز على ضمان حقوق جميع الأطراف المعنية. يبقى مستقبل سوريا معلقًا على قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى حلول سياسية مستدامة تضمن الأمن والاستقرار والازدهار لجميع السوريين.

شاركها.