شهدت الأيام الماضية إعلاناً مفاجئاً عن تحالف استراتيجي بين شركتي التكنولوجيا العملاقتين، جوجل وآبل، من شأنه أن يعيد تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي. قررت آبل التخلي عن تطوير نماذجها الخاصة من الذكاء الاصطناعي، والاعتماد بدلاً من ذلك على نموذج “جيميناي” (Gemini) من جوجل لتشغيل ميزات “سيري” (Siri) الجديدة المنتظرة. هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة في هذا المجال، وتأثيره على المستخدمين.
ورغم تسريب أنباء عن هذا التعاون في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلا أن الإعلان الرسمي المشترك أثار جدلاً واسعاً في القطاعات التقنية، وساهم في ارتفاع قيمة شركة “ألفابيت” (Alphabet)، الشركة الأم لجوجل، لتتجاوز 4 تريليون دولار في غضون ساعات. يطرح هذا التحالف أسئلة حول الدوافع وراءه، وما إذا كان سيترجم إلى فوائد ملموسة للمستهلكين.
آبل تكسب رغم خسارتها في سباق الذكاء الاصطناعي
اعترفت آبل بشكل غير مباشر بتحدياتها في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، من خلال إبرام هذه الشراكة مع جوجل. وركزت الشركة على نقاط قوتها الأساسية، وهي تصميم الأجهزة وتقديم تجربة مستخدم متكاملة. يؤكد محللون أن آبل باعت أكثر من 247 مليون هاتف خلال العام الماضي، مما يعزز مكانتها في السوق.
وبينما قد يبدو التخلي عن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها بمثابة اعتراف بالفشل، إلا أنه يمثل تحولاً استراتيجياً. فالتركيز على دمج نموذج قوي مثل “جيميناي” في أجهزتها قد يوفر تجربة أفضل للمستخدمين، ويقلل من المخاطر والتكاليف المرتبطة بتطوير تقنيات معقدة. تعتبر “جيميناي” الآن الفائز الحقيقي في هذا التحالف، وفقًا لتقارير صحفية.
وتشير التقديرات إلى أن آبل قد تدفع ما يصل إلى مليار دولار سنوياً لجوجل مقابل استخدام “جيميناي”. هذا التعاون يتيح لآبل التركيز على دمج الذكاء الاصطناعي في نظامها البيئي، وتحسين “سيري” بشكل كبير. كما أنه يفتح الباب أمام تطوير ميزات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتها الأخرى.
غوغل تعيد تفعيل شراكاتها الاستراتيجية
يعيد هذا التحالف إلى الأذهان الشراكة السابقة بين آبل وجوجل في عام 2002، عندما أصبح محرك بحث جوجل هو المحرك الافتراضي في أجهزة آبل. تلك الشراكة ساهمت بشكل كبير في نمو جوجل، وأصبحت مصدراً رئيسياً لإيراداتها. وتشير التقديرات إلى أن مدفوعات جوجل إلى آبل تجاوزت 20 مليار دولار في عام 2022.
ومع ذلك، واجهت جوجل تحديات قانونية بسبب هذه الشراكة، حيث اتهمت بالاحتكار. ورغم ذلك، فإن التعاون الجديد مع آبل يعزز مكانة جوجل في سوق الذكاء الاصطناعي، ويوسع نطاق وصول نموذج “جيميناي” إلى ملايين المستخدمين. يؤكد خبراء أن هذا التحالف يمثل فرصة لجوجل لتعزيز ريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
تأثير ذلك على المستخدم النهائي
لم تكشف آبل وجوجل عن تفاصيل دقيقة حول كيفية دمج “جيميناي” في “سيري”، أو ما إذا كان سيتم استخدامه في تطبيقات أخرى. ومع ذلك، يتوقع المحللون أن يؤدي هذا التعاون إلى تحسين كبير في أداء “سيري”، وجعلها أكثر ذكاءً وقدرة على فهم طلبات المستخدمين. كما يمكن أن يفتح الباب أمام تطوير ميزات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تطبيقات آبل المختلفة.
من المرجح أن تستفيد آبل من نسخة مخصصة من “جيميناي” تحمل علامتها التجارية، مما يسمح لها بدمجها بشكل كامل في نظامها البيئي. في الوقت نفسه، قد تتيح آبل للمستخدمين اختيار استخدام “جيميناي” بصورته الأصلية من جوجل، مما يوفر لهم المزيد من الخيارات.
يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا التعاون سيؤدي إلى انخفاض أسعار أجهزة آبل أو خدماتها. من غير المرجح أن يحدث ذلك على المدى القصير، ولكن قد يؤدي إلى زيادة القيمة المضافة للمنتجات والخدمات، مما يجعلها أكثر جاذبية للمستهلكين.
الخطوة التالية المتوقعة هي إطلاق تحديث لـ “سيري” يتضمن نموذج “جيميناي” الجديد. من المتوقع أن يتم ذلك في الأشهر القليلة القادمة، ولكن لم يتم تحديد موعد رسمي بعد. سيكون من المهم مراقبة ردود فعل المستخدمين على هذا التحديث، وتقييم مدى تحسن أداء “سيري”. كما يجب متابعة أي تطورات قانونية تتعلق بالشراكة بين آبل وجوجل، وتأثيرها على المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي.






