أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية حليفة، ما لم تسمح له بشراء جرينلاند، موجة من القلق والانتقادات. وحذر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من أن استحواذ الولايات المتحدة على جرينلاند سيكون بمثابة “ناقوس موت” لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الحلف تحديات متزايدة، وتثير تساؤلات حول مستقبل التعاون عبر الأطلسي.

وتتعلق الأزمة بجرينلاند، وهي إقليم دنماركي يتمتع بحكم ذاتي واسع. وقد أعرب ترامب علناً عن اهتمامه بشراء الإقليم الاستراتيجي، لكن الحكومة الدنماركية رفضت بشدة هذه الفكرة. وردًا على ذلك، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10٪ على عدد من الدول الأوروبية، ما لم توافق على بيع جرينلاند للولايات المتحدة.

التهديدات الأمريكية وتداعياتها على حلف الناتو

وصرح سانشيز، في مقابلة مع صحيفة “لا فانغارديا” الإسبانية، بأن جرينلاند ليست مجرد “رغبة في امتلاك عقار”. وأكد أن للإقليم سيادته وحقوقه، وأن شعبه هو من يجب أن يقرر مستقبله، وليس أي طرف آخر. وأضاف أن مثل هذا الإجراء من جانب الولايات المتحدة سيسعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنه “سيعطي شرعية ما لغزوه وأفعاله الأحادية في أوكرانيا”.

وتأتي تصريحات سانشيز في سياق تزايد المخاوف الأوروبية بشأن التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو. ففي السنوات الأخيرة، انتقد ترامب مرارًا وتكرارًا الدول الأوروبية لعدم إنفاقها ما يكفي على الدفاع، وهدد بسحب الدعم الأمريكي للحلف. هذه التهديدات الجديدة بشأن جرينلاند تزيد من هذه المخاوف، وتثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمني عبر الأطلسي.

أداة مكافحة الإكراه الأوروبية

في هذه الأثناء، تتجه الأنظار نحو الاتحاد الأوروبي وأدواته التجارية. فقد تبنى الاتحاد الأوروبي في عام 2023 ما يسمى بـ “أداة مكافحة الإكراه”، والتي تهدف إلى التصدي للضغوط الاقتصادية من دول أخرى، مع التركيز بشكل خاص على الولايات المتحدة والصين. وتسمح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات تتجاوز الرسوم الجمركية التقليدية، مثل تقييد التراخيص وحقوق الملكية الفكرية والوصول إلى المناقصات الحكومية.

وقد طرحت فكرة استهداف الخدمات الأمريكية بشكل متكرر، نظرًا لأن الولايات المتحدة تتمتع بفائض تجاري في الخدمات مع الاتحاد الأوروبي. ويشكل السوق الأوروبي المكون من 500 مليون مستهلك سوقًا رئيسيًا للشركات الأمريكية. ومع ذلك، فإن تفعيل هذه الأداة يتطلب موافقة أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

الجهود الدبلوماسية الجارية

من المقرر أن يلتقي الأمين العام لحلف الناتو مارك روتيه بوزير الدفاع الدنماركي ترويلس لوند بولسن ووزيرة الخارجية والبحث في جرينلاند، فيفيان موتزفيلدت، اليوم لمناقشة الأزمة. كما أن هناك جهودًا دبلوماسية مكثفة تبذل من قبل القادة الأوروبيين لمنع تصعيد الأزمة. فقد تحدث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني مع ترامب في محاولة لاحتواء الأزمة. ومن المتوقع أن يواصل القادة الأوروبيون جهودهم الدبلوماسية في الأيام المقبلة.

ويعقد أنطونيو كوستا، رئيس الوزراء البرتغالي، قمة أوروبية استثنائية في وقت لاحق من هذا الأسبوع، بعد أن أمضى عطلة نهاية الأسبوع في الاتصال بالرؤساء ورؤساء الحكومات في جميع أنحاء الكتلة. ويؤكد الدبلوماسيون في بروكسل على خطورة الوضع، لكنهم يشيرون إلى أن الدبلوماسية لا تزال تلعب دورًا. ومن المتوقع أن يحضر العديد من القادة الأوروبيين المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، حيث من المتوقع أن يلقي ترامب خطابًا مهمًا.

تعتبر هذه الأزمة بمثابة اختبار حقيقي للتحالف عبر الأطلسي. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من فرض إرادتها على حلفائها من خلال التهديد بالرسوم الجمركية، فإن ذلك سيقوض بشكل خطير مبادئ التعاون والاحترام المتبادل التي تقوم عليها العلاقة عبر الأطلسية. وفي المقابل، إذا تمكنت الدول الأوروبية من الوقوف في وجه الضغوط الأمريكية، فإن ذلك سيعزز مكانتها كقوة مستقلة على الساحة الدولية.

في الوقت الحالي، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت التهديدات الأمريكية ستتحول إلى واقع. ومع ذلك، فإن الأزمة قد سلطت الضوء على التوترات المتزايدة في العلاقة عبر الأطلسية، وأجبرت الدول الأوروبية على إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية. ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تطورات مهمة، حيث يواصل القادة الأوروبيون جهودهم الدبلوماسية، ويترقب العالم رد فعل الولايات المتحدة.

شاركها.