كشفت وثائق أرجنتينية صدرت مؤخرًا عن تفاصيل مثيرة حول عمليات البحث عن مجرمي الحرب النازيين الذين لجأوا إلى البلاد خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وكيف تمكن العديد منهم من تجنب الاعتقال والعيش حياة طبيعية. وتُظهر الوثائق، التي نُشرت في العام الماضي بتوجيه من الرئيس خافيير ميلي، مدى صعوبة وتعقيد التحقيقات، خاصةً في حالة شخصيات بارزة مثل مارتن بورمان، أحد كبار مساعدي أدولف هتلر. وتلقي هذه الوثائق الضوء على فترة حساسة في تاريخ الأرجنتين وعلاقاتها بالنازية.

البحث عن النازيين في الأرجنتين: حالة مارتن بورمان

على الرغم من أن الحكومة الأرجنتينية في عهد بيرون أبدت تعاطفًا، بل وساعدت في إخفاء مجرمي الحرب النازيين، إلا أنها بعد سقوط هذا النظام حاولت بشكل متقطع تتبع هؤلاء المجرمين. وتُعد قضية مارتن بورمان مثالًا واضحًا على عدم كفاءة هذه التحقيقات. بورمان كان من أقوى الشخصيات في النظام النازي، حيث شغل منصب السكرتير الخاص لهتلر ورئيس المستشارية النازية، مما منحه سيطرة كبيرة على تدفق المعلومات والوصول إلى الزعيم النازي.

كان بورمان يدعم بشكل كبير الإجراءات المعادية للسامية المتطرفة، ويعتبر من العقول المدبرة وراء مشروع “التأرين” الذي يهدف إلى مصادرة ممتلكات اليهود. اختفى بورمان في مايو 1945 خلال سقوط برلين، وانتشرت شائعات لعقود بأنه فر إلى الأرجنتين عبر طرق الهروب التي سهّلها المتعاطفون مع النازية. وقد حُكم عليه بالإعدام غيابيًا خلال محاكمات نورمبرغ.

عمليات البحث وتضارب المعلومات

تُظهر الوثائق أن بورمان كان من بين عدد قليل جدًا من النازيين الذين سعت الأرجنتين بنشاط إلى تعقبهم وتقديمهم للعدالة. ومع ذلك، اعتمدت معظم الأدلة على مقالات صحفية مثيرة غالبًا ما كانت تفتقر إلى المعلومات الواقعية والقابلة للتنفيذ، بخلاف مجرد الإشارة إلى أنه يختبئ في الأرجنتين. ركزت وكالات الاستخبارات على التحقق من هذه التقارير وتحديد ما إذا كانت الأسماء المستعارة التي تم تداولها تتطابق مع هوية بورمان الحقيقية.

وبحسب الوثائق، تابعت الوكالات الأرجنتينية تقاريرًا من الصحف الأرجنتينية والأمريكية والبريطانية والبرازيلية، بالإضافة إلى ترجمات من وسائل الإعلام الألمانية المنشورة في الأرجنتين من قبل الجالية المهاجرة، والتي كانت تشتبه في إيواء المتعاطفين مع النازية. أدت هذه المقالات إلى سلسلة طويلة من المراسلات بين وزارة العدل وهيئات الاستخبارات ووكالات الحدود والجمارك والشرطة الفيدرالية والسلطات المحلية، ولكن غالبًا ما كانت هذه الجهود غير منسقة أو تستغرق وقتًا طويلاً.

نتيجة لذلك، تم إجراء عمليات بحث متعددة مماثلة بشكل عشوائي، وأدى تعقيد الإجراءات البيروقراطية إلى جعل السلطات تلاحق التقارير الصحفية بدلاً من إجراء تحقيقات مستقلة ومنطقية. وتؤكد الوثائق أن البحث عن النازيين في أمريكا الجنوبية تأثر بالشائعات وسوء التواصل والأخطاء في تحديد الهوية والسياسة في فترة الحرب الباردة والتكهنات الإعلامية المكثفة.

وتشير بعض المعلومات التي راجعتها مصادر إخبارية إلى أن السلطات الأرجنتينية أخذت شائعات عن عمليات بحث عن بورمان في غابات بيرو وكولومبيا والبرازيل على محمل الجد. كما تضمنت الملفات قضية رجل ألماني مسن تم اعتقاله في كولومبيا عام 1972 بتهمة أنه بورمان (ولكن تم إطلاق سراحه لاحقًا)، على الرغم من شكوك صياد النازيين الشهير سيمون فيزنثال.

أثار القبض على أدولف آيخمان في الأرجنتين من قبل الموساد الإسرائيلي صدمة دبلوماسية، مما جعل المسؤولين المحليين أكثر حساسية للتدقيق الدولي. وقد أُعيد النظر في البحث عن بورمان على أنه محاولة لتجنب إحراج الأرجنتين على المسرح العالمي مرة أخرى.

مسار خاطئ وتأكيد الهوية

ظهر مسار واعد – ولكنه خاطئ في النهاية – في ملف بورمان عام 1955، عندما بدأت الشرطة في تتبع رجل يدعى والتر فيلهلم فليجل بناءً على شهادات باهتة حول عامل ألماني غير قانوني وشائعات. كان فليجل قد وصل عبر تشيلي، وفقد ذراعه في حادث، وتم اعتقاله مرتين بتهمة الاعتداء والسرقة. على الرغم من التناقضات الواضحة في ملفه الشخصي – بما في ذلك عدم وجود تعليم، وإقامته الطويلة في البلاد، والفروق في العمر – استمرت السلطات في الاشتباه به لمدة أسبوع قبل أن تقنع بأنه ليس مارتن بورمان، وتم إطلاق سراحه.

في النهاية، على الرغم من استمرار الشائعات، أكدت فحوصات الحمض النووي التي أجريت في التسعينيات هوية بقايا بشرية عُثر عليها في برلين عام 1972 على أنها تعود إلى بورمان، مما أنهى البحث الأرجنتيني الذي استمر طويلاً.

من المتوقع أن تستمر الأرجنتين في مراجعة هذه الوثائق التاريخية، وقد يتم الكشف عن المزيد من التفاصيل حول مصير مجرمي الحرب النازيين الآخرين الذين فروا إلى البلاد. من المهم مراقبة أي تطورات جديدة في هذا الملف، خاصةً فيما يتعلق بالجهود المبذولة لتقديم العدالة للضحايا وكشف الحقيقة الكاملة حول هذه الفترة المظلمة من التاريخ.

شاركها.