وجه القضاء اللبناني اليوم الثلاثاء اتهامات رسمية ضد رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق، وآخرين، بتهم تتعلق بـاختلاس المال العام والتزوير والإثراء غير المشروع. تأتي هذه الاتهامات بعد تحقيق مطول في مزاعم فساد مالي خلال فترة ولاية سلامة التي استمرت ثلاثة عقود، مما يمثل تطوراً هاماً في القضية التي تهز النظام المالي اللبناني.
وقالت الهيئة الاتهامية في بيروت إن الاتهامات تشمل سلامة والمحاميين مروان جو عيسى الخوري وميشال جون تويني، وتتعلق باختلاس مبلغ 44 مليون و800 ألف دولار أمريكي من “حساب الاستشارات” في المصرف المركزي. تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية حادة، مما يزيد من أهمية محاسبة المسؤولين عن سوء إدارة الأموال العامة.
تحقيقات في اختلاس المال العام وتداعياتها
تأتي هذه الاتهامات بعد فترة احتجاز استمرت حوالي 13 شهراً لسلامة، قبل إطلاق سراحه في سبتمبر/أيلول الماضي بكفالة مالية كبيرة. ولا يزال سلامة يخضع لحظر السفر، بينما تستمر التحقيقات في مزاعم اختلاس أكثر من 300 مليون دولار بين عامي 2002 و2015.
وفقاً للنيابة العامة المالية، فإن التحقيقات الموسعة ستركز على كيفية إدخال الأموال إلى المصارف اللبنانية ثم إخراجها منها، مع التركيز على دور مديري المصارف في الإبلاغ عن هذه العمليات لهيئة التحقيق الخاصة. هذا الجانب من التحقيق يهدف إلى تحديد مدى تواطؤ المؤسسات المالية في عمليات الاختلاس المزعومة.
ردود الفعل الأولية
نفى المحامي مروان الخوري علمه بوجود “حساب الاستشارات” المذكور في لائحة الاتهام، مؤكداً عدم مشاركته في أي معاملات مالية للمصرف المركزي وعدم تلقيه أي أموال منه. وأضاف أن لائحة الاتهام نفسها تدعو إلى استمرار التحقيق، وأن توجيه الاتهام إليه قبل اكتمال التحقيق كان سابقاً لأوانه.
من جهته، أعلن كريم سعيد، حاكم مصرف لبنان الحالي، أن المصرف المركزي سيسعى إلى استعادة الأموال العامة التي اختلسها مسؤول سابق واحد على الأقل ومحامون ومصرفيون تجاريون. لم يذكر سعيد اسم سلامة تحديداً، لكن تصريحه يشير إلى عزم المصرف المركزي على التعاون مع التحقيقات واستعادة الأموال المنهوبة.
توسيع نطاق التحقيقات ليشمل أطرافاً أخرى
بالإضافة إلى التحقيق في اختلاس الأموال، يركز القضاء اللبناني على التحقيق في دور شركة “فوري أسوشيتس”، التي يشتبه في تلقيها عمولات من البنوك التجارية وتحويلها إلى الخارج. تسيطر شركة “فوري أسوشيتس” على شركة “فوري أسوشيتس” التي يملكها رجا سلامة، شقيق رياض سلامة.
ينكر كل من رجا ورياض سلامة ارتكاب أي مخالفات، لكن التحقيقات مستمرة في فرنسا وألمانيا وسويسرا وعدد من الدول الأخرى. هذه التحقيقات الدولية تزيد من الضغط على سلامة وشقيقه، وتوسع نطاق القضية لتشمل أبعاداً دولية.
تعتبر قضية اختلاس المال العام هذه من بين أكبر القضايا المالية التي تواجه لبنان في تاريخه الحديث. وتشكل هذه الاتهامات خطوة مهمة نحو محاسبة المسؤولين عن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلاد.
تترافق هذه التطورات مع جهود لإصلاح النظام المالي اللبناني وتعزيز الشفافية والمساءلة. وتشمل هذه الجهود تطبيق قوانين جديدة لمكافحة الفساد وتعزيز الرقابة على المصارف والمؤسسات المالية.
الخطوات القادمة والتحديات المستقبلية
من المتوقع أن تستمر التحقيقات في قضية اختلاس المال العام لعدة أشهر قادمة، مع التركيز على جمع الأدلة وتحديد جميع المتورطين. كما من المتوقع أن يتم استدعاء المزيد من الشهود لسماع إفاداتهم.
ومع ذلك، تواجه التحقيقات تحديات كبيرة، بما في ذلك تعقيد الملفات المالية وصعوبة الحصول على الأدلة من الخارج. بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من تدخل سياسي قد يعيق سير العدالة.
يبقى من المبكر تحديد ما إذا كانت هذه الاتهامات ستؤدي إلى إدانة سلامة والآخرين المتهمين. لكن هذه القضية تمثل نقطة تحول في جهود مكافحة الفساد في لبنان، وتثير آمالاً في تحقيق العدالة واستعادة الأموال المنهوبة.
سيراقب المراقبون عن كثب تطورات هذه القضية، وخاصةً نتائج التحقيقات الدولية والقرارات التي ستتخذها المحاكم اللبنانية. كما سيتابعون عن كثب جهود الإصلاح المالي والاقتصادي التي تبذلها الحكومة اللبنانية.






