أغلق النظام الإيراني الإنترنت بشكل شبه كامل في محاولة لقمع الاحتجاجات المتصاعدة على مستوى البلاد، وذلك عبر تفعيل ما يُعرف بـ “مفتاح الإغلاق” (internet kill switch)، وهي آلية رقابية متطورة. يأتي هذا الإجراء بعد أيام من المظاهرات التي اندلعت احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وأدت إلى وقوع قتلى واعتقالات واسعة النطاق. ووفقًا لخبراء الأمن السيبراني، فإن الهدف من هذا الإغلاق هو إخفاء ما يُزعم أنها انتهاكات ارتكبتها قوات الأمن ضد المتظاهرين.
ما هو “مفتاح الإغلاق” للإنترنت في إيران؟
“مفتاح الإغلاق” هو إجراء يتيح للحكومة الإيرانية قطع الوصول إلى الإنترنت بشكل كامل أو جزئي في جميع أنحاء البلاد. وأكد ألپ توكر، الرئيس التنفيذي لشركة NetBlocks المتخصصة في مراقبة الإنترنت، أن هذا الإجراء يمثل “حربًا إيرانية ضد شعبها باستخدام الوسائل الرقمية”. وتنفيذ هذا الإجراء الحالي يتميز بأنه أكثر شمولية وتدريجية مقارنة بالإجراءات السابقة.
تاريخ استخدام “مفتاح الإغلاق” في إيران
لم يكن هذا هو الموقف الأول الذي يلجأ فيه النظام الإيراني إلى قطع الإنترنت. ففي عام 2019، استخدم النظام نفس الآلية خلال احتجاجات مماثلة، ومرة أخرى في عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني. لكن الإغلاق الحالي يُعتبر الأشد على الإطلاق، حيث انخفضت مستويات الاتصال إلى أقل من 2% من المعدل الطبيعي، وفقًا لـ NetBlocks.
الاحتجاجات تتصاعد والخسائر البشرية ترتفع
تشهد إيران منذ 13 يومًا احتجاجات واسعة النطاق، بدأت في الأصل بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ولكنها سرعان ما تحولت إلى تعبير عن غضب شعبي أوسع نطاقًا ضد القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتشير تقارير منظمات حقوق الإنسان، مثل “منظمة العفو الدولية” و“ناشطو حقوق الإنسان في إيران”، إلى أن عدد القتلى في هذه الاحتجاجات تجاوز 65 شخصًا، وقد تضاعف هذا الرقم خلال الأيام القليلة الماضية.
وبالإضافة إلى القتلى، فقد أُلقي القبض على أكثر من 2300 شخص، وتنتشر المظاهرات في ما لا يقل عن 180 مدينة إيرانية. وتتهم هذه المنظمات قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك إطلاق النار على المتظاهرين بشكل عشوائي والاعتداء عليهم بالضرب أثناء الاعتقال. وتشير تقاريرهم إلى أن غالبية القتلى هم من المتظاهرين.
الآثار المترتبة على إغلاق الإنترنت وسبل التحايل عليه
يؤثر إغلاق الإنترنت بشكل كبير على جميع جوانب الحياة في إيران، من الخدمات المصرفية إلى الاتصالات الأساسية. ويعيق هذا الإجراء قدرة المواطنين على التواصل مع العالم الخارجي، مما يثير مخاوف بشأن إخفاء انتهاكات حقوق الإنسان المحتملة.
على الرغم من القيود الصارمة، لا يزال بعض الإيرانيين يحاولون التحايل على الرقابة. وذكر ألپ توكر أن بعض الاتصالات لا تزال ممكنة عبر شبكات Wi-Fi أو الهواتف المحمولة القريبة من الحدود. كما أن هناك محاولات لاستخدام خطوط الهاتف الثابت أو الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، مثل شبكة Starlink، على الرغم من أن هذه الأجهزة محظورة في إيران.
وأضاف توكر أن التكنولوجيا التي يستخدمها النظام الإيراني لتتبع الاتصالات هي في الأساس تكنولوجيا مضادة للتجسس، وهي مشابهة لتلك التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية الأخرى للسيطرة على المعلومات وقمع المعارضة.
ردود الفعل الدولية والمخاوف المتزايدة
أعربت العديد من الدول والمنظمات الدولية عن قلقها العميق بشأن إغلاق الإنترنت والعنف ضد المتظاهرين في إيران. وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النظام الإيراني من استخدام القوة ضد المتظاهرين، وهدد برد فعل قوي من الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تشجع الولايات المتحدة الديمقراطية في إيران، وترى أن الوصول إلى الإنترنت الحُر والمفتوح يمكن أن يدعم هذه الجهود ويعزز الحريات الأساسية. إلا أن القدرة على التأثير من الخارج محدودة، ويبقى الدعم للمبادرات الإيجابية هو أهم ما يمكن القيام به في الوقت الحالي.
مستقبل الاحتجاجات والوضع الرقمي في إيران
لا يزال من غير الواضح متى سيرفع النظام الإيراني حظر الإنترنت. ويشير بعض الخبراء إلى أن الإغلاق قد يستمر لأيام أو حتى أسابيع، في محاولة لإخماد الاحتجاجات ومنع انتشار المعلومات. وسيظل الوضع الرقمي في إيران محور اهتمام للمراقبين الدوليين، حيث أنه يعكس بشكل مباشر مستوى حرية التعبير والحريات المدنية في البلاد. من المتوقع أن تواصل منظمات حقوق الإنسان تتبع الوضع عن كثب وتقديم تقارير حول الانتهاكات المحتملة.
الوضع في إيران متقلب للغاية، وستعتمد التطورات المستقبلية على رد فعل النظام الإيراني على الاحتجاجات، وعلى قدرة المتظاهرين على الاستمرار في حركتهم على الرغم من القيود الصارمة.






