لم يكن الإعلامي الأردني الراحل جميل عازر صحفيًا عاديًا، بل كان رائدًا في مجال الإعلام العربي. فقد شكلت مسيرته المهنية الطويلة والمتنوعة، والتي امتدت عبر مؤسسات عالمية وعربية كبرى، مدرسةً فريدة في تقديم الأخبار والتحليل. رحل عازر عن عمر يناهز 89 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا غنيًا من الخبرة والاحترافية في عالم الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
قضى عازر ستين عامًا في خدمة الإعلام، متنقلًا بين الترجمة والتحرير والتدقيق اللغوي، وصولًا إلى تقديم البرامج والنشرات الإذاعية والتلفزيونية. اشتهر بصوته الرخيم وحضوره القوي وأدائه الرصين، مما جعله من أبرز الوجوه والأصوات الإعلامية في المنطقة العربية، خاصة خلال فترة عمله في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
طبيعة عازر الإعلامية ومسيرته المهنية
تميز عازر بقدرته على التكيف مع مختلف الوسائل الإعلامية، بدءًا من الإذاعة التقليدية وصولًا إلى التلفزيون الحديث. فقد انضم إلى “بي بي سي” العربية فور تأسيسها، وساهم في بناء سمعتها كمصدر موثوق للأخبار والمعلومات. وعُرف بدقته وموضوعيته واحترافيته في التعامل مع القضايا المختلفة، مما أكسبه ثقة الجمهور والمستمعين.
إلا أن مساهمة عازر الأبرز كانت مشاركته في تأسيس قناة الجزيرة الإخبارية، حيث طرح فكرة شعار “الرأي والرأي الآخر”. كان هذا الشعار بمثابة علامة فارقة في الإعلام العربي، حيث دعا إلى التنوع والانفتاح والحوار البناء. وقد ساهم هذا النهج في نجاح الجزيرة وجعلها واحدة من أبرز القنوات الإخبارية في العالم.
تأسيس الجزيرة ودور عازر
في بداية عمله في الجزيرة، كان عازر معروفًا بالفعل لملايين العرب من خلال عمله الإذاعي السابق. هذا الشهرة السابقة ساهمت بشكل كبير في تعزيز مكانة القناة الجديدة واكتسابها جمهورًا واسعًا. كان عازر يؤمن بأهمية إعطاء مساحة للآراء المختلفة، وعدم حصر وجهات النظر على رؤية واحدة.
وعلى الرغم من خبرته الطويلة، كان عازر يؤكد دائمًا أن العمل الإعلامي يتطلب سعة اطلاع وتنوع تجارب ونأيًا عن الصراعات. كان يرى أن المصداقية هي أساس العلاقة بين الإعلامي والجمهور، وأنها مبنية على الدقة والموضوعية والتحقق من المعلومات. هذا النهج ساهم في بناء سمعة الجزيرة كمصدر موثوق للأخبار.
يُعزى نجاح الجزيرة إلى عدة عوامل، من بينها حرية التعبير التي تمتعت بها القناة، وعدم تدخل الحكومة القطرية في شؤونها. كان عازر يرى أن الثقة في قدرات الموظفين هي العامل الأهم في نجاح أي مؤسسة إعلامية. كما أشار إلى أن الجزيرة قدمت الخبر “كما تراه الكاميرا” وليس “كما تراه لندن”، في إشارة إلى أسلوب عمل بي بي سي.
تأثير عازر على الإعلام العربي
ترك جميل عازر بصمة واضحة على مشهد الإعلام العربي، وتأثر به الكثير من الصحفيين والإعلاميين. كان نموذجًا يحتذى به في الاحترافية والموضوعية والالتزام بأخلاقيات المهنة. وقد ساهم في تطوير معايير الصحافة في المنطقة العربية، ورفع مستوى الخطاب الإعلامي.
كما ساهم عازر في تشجيع الحوار والتسامح والانفتاح على الآخر، من خلال تبني فكرة “الرأي والرأي الآخر” في الجزيرة. كان يؤمن بأهمية إعطاء صوت لمن لا صوت له، والتعبير عن آراء مختلفة ومتنوعة. هذا النهج ساهم في تعزيز الديمقراطية والتعددية في المجتمعات العربية.
أظهرت محاولات القضاء على الجزيرة من خلال تأسيس قنوات منافسة، مدى تأثير الجزيرة وأهمية النموذج الإخباري الذي قدمته. فقد فشلت هذه القنوات في تحقيق النجاح نفسه، لأنها كانت تتحدث بلسان الحاكم، ولم تتبنَّ مبادئ الحرية والموضوعية والشفافية.
من المتوقع أن يستمر إرث جميل عازر في إلهام الأجيال القادمة من الإعلاميين والصحفيين. يظل عمله في الجزيرة بمثابة نقطة تحول في تاريخ الإعلام العربي، وسيظل شعار “الرأي والرأي الآخر” رمزًا للحرية والتنوع والإعلام المسؤول. من الضروري متابعة التطورات في مجال الإعلام وتقييم مدى التزام القنوات والمؤسسات الإعلامية بمبادئ الاحترافية والموضوعية التي نادى بها عازر.






