أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا أنه لا يوجد عفو عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك على خلفية إعلان رجل الأعمال محمد حمشو عن اتفاق مع الحكومة السورية يهدف إلى “طي صفحة الماضي”. يثير هذا الإعلان تساؤلات حول مصير المساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات النزاع، وتحديداً في ظل الحديث عن تسويات مالية قد تمنح حصانة لأفراد متهمين بارتكاب جرائم.
وقالت الهيئة في بيان رسمي صادر اليوم، إن أي عفو يشمل مرتكبي هذه الجرائم يتعارض مع مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ويشمل ذلك كل من شارك أو نفذ أو مول أو حرض على ارتكابها. وأضافت أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن التغاضي عنها بأي شكل من الأشكال، مؤكدة على التزامها بتحقيق المساءلة والعدالة للضحايا.
اتفاق حمشو مع الحكومة والانتقادات الموجهة
كشف رجل الأعمال محمد حمشو قبل يومين عن توقيعه اتفاقًا “شاملاً” مع الحكومة السورية الجديدة، يهدف إلى “تنظيم وتثبيت الوضع القانوني” و”فتح صفحة جديدة” دون الخوض في تفاصيل أوضح حول طبيعة هذا الاتفاق. أثار هذا الإعلان موجة من الانتقادات اللاذعة من قبل منظمات حقوق الإنسان والناشطين السوريين.
وبحسب ما ذكره حمشو في منشور على صفحته في فيسبوك، فإن الاتفاق تم وفقًا للأطر القانونية والرسمية المعتمدة، ولكنه لم يقدم تفاصيل حول الشروط أو التنازلات التي تضمنها. الأمر الذي أثار شكوكًا حول إمكانية حصوله على صفقة للتهرب من المساءلة عن تهم تتعلق بدعمه للنظام السابق.
برنامج الإفصاح الطوعي ودوره في التسوية
من جهتها، أوضحت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع أن التسوية مع حمشو تمت في إطار “برنامج الإفصاح الطوعي” الذي أطلقته اللجنة مؤخرًا. ويهدف هذا البرنامج إلى تحقيق “العدالة الاقتصادية” و”شفافية الأصول والممتلكات” لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في تورطهم في الحصول على ثروات بطرق غير مشروعة خلال فترة ولاءهم للنظام السابق.
وتداولت أنباء منذ بداية عام 2025 عن وجود مفاوضات لعدة تسويات مماثلة، عن طريق وسيط يعرف باسم “أبو مريم الأسترالي”، مما أثار مزيدًا من الجدل حول الشفافية والنزاهة في هذه الإجراءات.
كيف ارتبط محمد حمشو بمأساة السوريين؟
أدرج الاتحاد الأوروبي اسم حمشو على قائمة العقوبات في أعقاب اندلاع الثورة السورية، وذلك في سبتمبر 2011. لاحقًا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مماثلة عليه. جاءت هذه العقوبات بسبب اعتباره شخصًا يدعم نظام الرئيس بشار الأسد ويستفيد من علاقاته معه.
إضافة إلى ذلك، اتُهم حمشو بالتورط في “تجارة الخردة” و”استغلال ممتلكات المهجرين”. وقد وردت تقارير تفيد بأنه قام بتجميع الحديد من المناطق المدمرة في سوريا، بما في ذلك مدينة عدرا، ثم إعادة بيعه من خلال معمله بالتعاون مع “الفرقة الرابعة” بقيادة ماهر الأسد. تشير التقديرات إلى أن هذه التجارة قد حققت له أرباحًا تقدر بنحو 10 ملايين دولار خلال فترة قصيرة في عام 2019.
هذه الاتهامات، بالإضافة إلى إعلانه عن التسوية مع الحكومة، أثارت غضبًا واسعًا بين السوريين، الذين يرون في ذلك محاولة لـ تبييض السمعة وتجنب المساءلة عن الجرائم التي ارتكبت بحقهم. كما أثارت تساؤلات حول جدية الحكومة في تطبيق مبادئ العدالة والمساءلة.
تداعيات التسوية على مسار العدالة
يثير هذا الاتفاق مخاوف بشأن تأثيره على مسار تحقيق العدالة في سوريا. فقد يرسل رسالة مفادها أن الأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان يمكنهم التهرب من المساءلة من خلال التوصل إلى تسويات مالية مع الحكومة. وهذا قد يقوض جهود المصالحة الوطنية ويؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الشفافية في هذه التسويات يثير الشكوك حول مدى نزاهتها وعدالتها. فمن الضروري أن يتم الإعلان عن تفاصيل هذه الاتفاقات بشكل كامل وواضح، وأن يتم ضمان حقوق الضحايا في الحصول على التعويض والعدالة.
من المتوقع أن تصدر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المزيد من البيانات لتوضيح موقفها من هذه التسويات، وتأكيد التزامها بتحقيق المساءلة. كما من المرجح أن تواصل منظمات حقوق الإنسان الضغط على الحكومة السورية لضمان احترام حقوق الإنسان وتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية بشكل كامل. يبقى الوضع معقداً وغير واضح، ويتطلب مراقبة دقيقة لتطورات الأحداث في الأشهر القادمة.






