في خضمّ المنافسة العالمية المتسارعة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول ملكية هذه التكنولوجيا، ومَن المستفيد منها، وما هي التكلفة التي يدفعها المستخدم مقابل السرعة والكفاءة المُزعمة. وسط هذه المخاوف، ظهرت منصة “ثورة” كمبادرة تسعى لتقديم نموذج بديل يركز على الأخلاقيات وخصوصية المستخدم، بدلًا من اعتبارهما مجرد تفاصيل هامشية.

تأسست المنصة على يد الشقيقين السوريين، هاني وسعيد، اللذين اكتسبا خبرة سابقة في قطاع التكنولوجيا الأوروبي. يقدمان “ثورة” كأداة “للناس، لا للشركات ولا للحكومات”، وهو موقف ناقد للسياسات السائدة في شركات التكنولوجيا الكبرى، ولا يقتصر النقد على الجانب التقني فحسب، بل يشمل أيضًا منظورًا أخلاقيًا وسياسيًا أوسع.

خلفية المؤسسين ودوافعهم نحو تطوير الذكاء الاصطناعي الأخلاقي

عمل كل من هاني وسعيد في شركة تقنية ألمانية تتعامل مع شركات دوائية رئيسية، مما أتاح لهما التعامل مع قواعد بيانات صحية ضخمة وحساسة. بفضل هذه التجربة، أدركا أن التكنولوجيا ليست مجرد خوارزميات، بل هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس وثقتهم.

أوضحت التجربة للأخوين أن خصوصية البيانات والموثوقية ليست مجرد ميزات إضافية، بل هما شرطان أساسيان لا يمكن التنازل عنهما. هذا الفهم العميق دفعهم إلى إطلاق منصة “ثورة” كمحاولة لتصحيح المسار.

التحديات في قطاع التكنولوجيا والمسار الدراسي

لم يسلك المؤسسان المسار الأكاديمي التقليدي في علوم الحاسوب، لكنهما يؤكدان أن ذلك لم يعيق تقدمهما في بناء المنصة. يرى هاني أن خبرته العملية في تطوير المشاريع، إلى جانب شغفه بالتعلم الذاتي، كانا كافيين لتحقيق النجاح.

ويضيف سعيد أن القدرة على التكيّف واكتساب المعرفة المستمرة أصبحت مهارة أساسية في عالم التكنولوجيا، وأن التعليم الرسمي ليس هو المسار الوحيد لإتقان هذه المهارات. فالعديد من العاملين في هذا المجال يعتمدون بشكل كبير على التعلم الذاتي، ما يقدر بنحو 90% من المعرفة العملية المستخدمة.

“ثورة” وتقييم المخاطر الأخلاقية لشركات الذكاء الاصطناعي

يصف المؤسسان “ثورة” بأنها بديل أخلاقي، معبرين عن قلقهما بشأن تجاوز بعض الشركات الكبرى للخطوط الحمراء الأخلاقية. ويرى هاني أن التركيز المستمر على الأرباح على حساب رفاهية الإنسان هو المشكلة الرئيسية.

ويشير إلى أن بعض الشركات، مثل تلك التي تتعاون مع الحكومة الإسرائيلية، قد تشارك بشكل غير مباشر في أنشطة تثير جدلاً أخلاقيًا. بالإضافة إلى ذلك، يعبرون عن قلقهم إزاء ممارسات جمع البيانات واستغلالها من قبل الشركات الكبرى.

رفض التمويل والالتزام بالاستقلالية

على الرغم من تلقي العديد من عروض الاستثمار، قرر المؤسسان رفضها للحفاظ على استقلالية المنصة. يعتبران التمويل الخارجي بمثابة تنازل عن مبادئهما الأساسية.

ويؤكد هاني أن “ثورة” تسعى لتقديم خدمة حقيقية للمستخدمين، وأنها لا تسعى لتحقيق أرباح ضخمة على حساب القيم الأخلاقية. هذا الرفض يكلف المنصة نموًا محتملاً، لكن المؤسسين يرون أنه ثمن يستحق الدفع.

الخصوصية كخط أحمر في تطوير الذكاء الاصطناعي

يؤكد المؤسسان أن الخصوصية هي مبدأ أساسي لا يمكن التنازل عنه في “ثورة”. يرفضون جمع أي بيانات مستخدم غير ضرورية، ويحرصون على حماية البيانات التي يتم تخزينها.

ويشير سعيد إلى أن هدفهم هو بناء منصة تحترم خصوصية المستخدمين، ولا تستغل بياناتهم لتحقيق أهداف تجارية أو سياسية. “نحن لا نجمع البيانات، بل نخزنها لصالح المستخدم”، يقول سعيد.

الذكاء الاصطناعي بين السوق والضمير

يعتبر المؤسسان أن الذكاء الاصطناعي بإمكانه أن يكون قوة إيجابية في العالم، ولكن يجب استخدامه بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ويريان أن تركيز الشركات الكبرى على الربح قد يعيق تحقيق هذا الهدف.

ويؤكدان أن “ثورة” تسعى لتقديم نموذج مختلف يضع الإنسان في المقام الأول، ويعمل على بناء تكنولوجيا تخدم الإنسانية بدلاً من استغلالها. فالهدف ليس مجرد بناء منتج تقني، بل إحداث تغيير إيجابي في طريقة تفكير الناس في التكنولوجيا.

مستقبل “ثورة” والتحديات القادمة

تعتبر “ثورة” نفسها أكثر من مجرد منصة تقنية؛ إنها موقف فكري وأخلاقي. يركز المؤسسان على بناء مجتمع من المستخدمين الذين يشاركونهما نفس القيم، ويعملون معًا على تطوير تكنولوجيا أخلاقية.

من المتوقع أن تشهد المنصة تطورات مستمرة في الأشهر القادمة، بما في ذلك إضافة ميزات جديدة وتحسين تجربة المستخدم. ومع ذلك، يحرص المؤسسون على التأكيد أنهم لن يتنازلوا أبدًا عن مبادئهم الأساسية. سيبقى التركيز على خصوصية المستخدم والالتزام بالاستقلالية، بغض النظر عن التحديات التي قد تواجههم.

شاركها.