شهد قطاع التصنيع في آسيا انتعاشًا ملحوظًا في ديسمبر، بقيادة تايوان وكوريا الجنوبية، مما يعزز التفاؤل الحذر بشأن قدرة التجارة العالمية على تجاوز الضغوط المتزايدة الناجمة عن السياسات التجارية. وارتفعت مؤشرات مديري المشتريات في هذه الدول إلى مستويات تشير إلى التوسع، بعد أشهر من الانكماش، مدفوعة بزيادة الطلبيات الجديدة وتحسن الإنفاق الاستهلاكي. يشير هذا التطور إلى مرونة أكبر في سلاسل التوريد الإقليمية وقدرتها على التكيف مع التحديات الجيوسياسية.

أظهرت بيانات حديثة، نشرتها شركة “إس آند بي غلوبال” (S&P Global)، تحسنًا في الأداء الصناعي في عدة اقتصادات آسيوية رئيسية. يعزى هذا النمو إلى عوامل متعددة بما في ذلك الطلب القوي على الإلكترونيات، مدفوعًا بقطاع الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تحسن الظروف الاقتصادية في الأسواق الأوروبية والأمريكية. تأتي هذه النتائج في وقت كانت فيه المخاوف بشأن تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية محتملة على قطاع التصنيع.

انتشال التجارة العالمية من الركود: نظرة على آسيا

قفز مؤشر مديري المشتريات في تايوان إلى 50.9 في ديسمبر، وهو أول ارتفاع له فوق خط 50 الفاصل بين النمو والانكماش منذ عدة أشهر. يُعزى هذا التحسن إلى زيادة الطلب على التكنولوجيا المتقدمة وزيادة الاستثمار في البنية التحتية. كما ارتفع المؤشر في كوريا الجنوبية إلى 50.1، مما يعكس انتعاشًا في الصادرات وزيادة الإنتاج في قطاعات السيارات والإلكترونيات.

أداء متباين في جنوب شرق آسيا

شهدت فيتنام أداءً قويًا بشكل خاص، حيث سجلت قراءة بلغت 53 نقطة، على الرغم من انخفاضها الطفيف عن الشهر السابق. ويرجع هذا الأداء القوي إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة والنمو في قطاع التصدير. أظهرت الفلبين وماليزيا وإندونيسيا أيضًا مؤشرات إيجابية، حيث سجلت جميعها قراءات أعلى من 50 نقطة.

أشارت الشركات التايوانية إلى تحسن في ظروف الطلب وانفاق المستهلك. وفي الوقت نفسه، ذكرت مصانع كوريا الجنوبية انتفاعها من عمل إضافي في أسواق أوروبا وأمريكا والصين. وحسب ما ذكرت “إس آند بي غلوبال”، فإن هذا يعكس قدرة الشركات الآسيوية على تنويع أسواقها وتقليل اعتمادها على دولة واحدة.

على صعيد آخر، أعلنت الصين عن تعافٍ مماثل في نشاط التصنيع خلال ديسمبر، مع إشارة كل من المؤشرات الرسمية والخاصة إلى التوسع. يهدف الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5% لعام 2025، مما يعزز التوقعات الإيجابية بالنسبة للاقتصاد الصيني. هذا التعافي الصيني يصب في صالح بقية دول المنطقة، باعتبارها جزءًا من سلاسل الإمداد العالمية.

سنغافورة تتألق بفضل الصناعات الدوائية والإلكترونية

سجلت سنغافورة نموًا اقتصاديًا بنسبة 4.8% في عام 2025، وهو أسرع نمو لها منذ أربع سنوات، مدفوعًا بشكل رئيسي بأداء قوي في قطاعي الصناعات الدوائية والإلكترونيات. وقد ساهمت هذه الصناعات في دعم الاقتصاد السنغافوري خلال فترة اضطرابات الرسوم الجمركية الأمريكية، مما يدل على أهمية التنويع الاقتصادي. وتعتبر سنغافورة مركزًا إقليميًا للتجارة والمال، وبالتالي فإن أدائها الاقتصادي له تأثير كبير على المنطقة بأسرها.

تشير هذه البيانات إلى أن الاقتصاد العالمي قد يكون أكثر قدرة على الصمود في وجه التحديات التجارية من المتوقع. بينما لا تزال هناك مخاطر تتعلق بالتصعيد التجاري وتأثيره على النمو الاقتصادي، فإن الأداء القوي لآسيا يوفر بعض الإيجابية. النمو في الاستثمار الأجنبي المباشر والطلب على التكنولوجيا المتقدمة يلعبان دورًا حاسمًا في هذا الانتعاش.

مستقبل التجارة الآسيوية في ظل التوترات العالمية

من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي في الربع الأول من عام 2026، مع مراقبة دقيقة لتطورات السياسة التجارية الأمريكية والمخاطر الجيوسياسية في مناطق أخرى من العالم. سيظل أداء الصين ومساهمتها في التعافي الاقتصادي محط أنظار، بالإضافة إلى قدرة فيتنام ودول جنوب شرق آسيا الأخرى على جذب الاستثمارات الأجنبية. التقارير المستقبلية من “إس آند بي غلوبال” ووزارات المالية الإقليمية ستوفر رؤى أعمق حول مدى استدامة هذا الانتعاش ووجهة التجارة العالمية.

سيستمر التركيز على تطورات السياسة التجارية الأمريكية وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية. علاوة على ذلك، يجب مراقبة أسعار الطاقة وتأثيرها على تكاليف الإنتاج. الوضع الجيوسياسي العالمي، بما في ذلك التوترات في أوكرانيا والشرق الأوسط، يظل مصدر قلق رئيسي.

شاركها.