تزايد خطر ارتفاع مستوى سطح البحر يثير قلقًا عالميًا، حيث تشير أحدث الدراسات إلى أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى ذوبان أجزاء كبيرة من الأنهار الجليدية في القطبين، وخاصة في غرب القطب الجنوبي. هذا الذوبان المتسارع يهدد بفيضانات واسعة النطاق للمناطق الساحلية حول العالم، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة للتكيف والتخفيف من حدة هذه التداعيات.

في مايو 2014، أعلنت وكالة ناسا عن ملاحظات تشير إلى أن جزءًا من الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي قد وصل إلى نقطة اللاعودة في التراجع. هذا التراجع يهدد بزيادة كبيرة في مستوى سطح البحر، مما يؤثر على مئات الملايين من الأشخاص الذين يعيشون في المناطق المنخفضة.

تراجع الأنهار الجليدية في غرب القطب الجنوبي ومستوى سطح البحر

يقع الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي في حوض عميق تحت مستوى سطح البحر، مما يجعله أكثر عرضة للذوبان بسبب مياه البحر الدافئة. هذا الوضع يختلف عن شرق القطب الجنوبي وغرينلاند، حيث يرتفع معظم الجليد فوق مستوى سطح البحر. وفقًا للدراسات، يتدفق الجليد نحو البحر بشكل أسرع من معدل تراكم الثلوج الجديدة، مما يؤدي إلى تراجع حواف الغطاء الجليدي نحو الداخل.

تتكون الأنهار الجليدية من صفائح جليدية عائمة ضخمة، تعمل كحواجز طبيعية تمنع تدفق الجليد نحو البحر. ومع ذلك، فإن هذه الصفائح الجليدية أصبحت أكثر هشاشة وعرضة للانهيار، مما يزيد من سرعة تدفق الجليد ويساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر.

سيناريوهات الارتفاع المحتملة

في عام 2016، نشرت مجلة “Nature” دراسة مثيرة للجدل تشير إلى أن انهيار الجرف الجليدي يمكن أن يؤدي إلى عملية تراجع متسارعة وغير متوقعة. أخذت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) هذه الدراسة على محمل الجد، وقدمت سيناريو أسوأ يفيد بأن ارتفاع مستوى سطح البحر قد يتجاوز المترين بحلول عام 2100، بسبب ذوبان الجليد في القطبين والجبال، بالإضافة إلى التمدد الحراري لمياه البحر.

وإذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالوتيرة الحالية، فقد يصل ارتفاع مستوى سطح البحر إلى 15 مترًا بحلول عام 2300، وهو ما سيؤدي إلى تغيير جذري في الخرائط العالمية وإغراق العديد من المدن الساحلية.

ومع ذلك، لا يزال هناك جدل بين العلماء حول مدى سرعة هذا التراجع. يعتقد البعض أن العملية ستستغرق قرونًا، مما يمنح البشرية وقتًا كافيًا للتكيف. بينما يحذر آخرون من أن التدهور السريع قد يبدأ في العقود القادمة، مما قد يفوق قدرتنا على الاستجابة.

تشير الأبحاث التي أجرتها كارين آلي، عالمة الأنهار الجليدية في جامعة مانيتوبا، إلى أن عملية التراجع المتسارع ممكنة، لكنها ليست مؤكدة. وتقول آلي: “لم نستبعد هذا الاحتمال بالتأكيد، لكنني لست مستعدة للقول بأنه سيحدث قريبًا. ولا يمكنني القول أيضًا بأنه لن يحدث.”

على مر آلاف السنين، ازدهرت المجتمعات البشرية على طول السواحل، دون أن تدرك أننا نعيش في فترة جيولوجية غير عادية تتميز بمستويات منخفضة بشكل خاص من مياه البحر. من المؤكد أن المحيطات ستعود إلى سابق عهدها، لكن السؤال هو: متى؟

تاريخ الاكتشافات حول الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي

في عام 1978، كان جون ميرسر، عالم الأنهار الجليدية الذي اشتهر بإجراء الأبحاث الميدانية وهو عارٍ، من أوائل العلماء الذين تنبأوا بأن الاحتباس الحراري يهدد الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي. استندت نظريته إلى العلاقة الفريدة والهشة بين الغطاء الجليدي ومياه البحر.

يُعد الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي أكبر من مساحة ألاسكا وتكساس مجتمعتين، وهو مفصول عن النصف الشرقي من القارة بجبال ترانسانتاركتيك.

تعتمد سرعة تراجع الجليد على عوامل متعددة، بما في ذلك درجة حرارة مياه البحر، وشكل قاع البحر، وتيارات المياه العميقة.

تُظهر النماذج المناخية أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات هو المحرك الرئيسي لذوبان الجليد في غرب القطب الجنوبي.

تُعد المدن الساحلية الكبرى مثل نيويورك ونيو أورلينز وميامي وهيوستن من بين المناطق الأكثر عرضة لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر، وقد لا تكون مستعدة بشكل كامل لمواجهة هذه التحديات.

تتطلب معالجة هذه القضية تعاونًا دوليًا وجهودًا متواصلة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتطوير استراتيجيات التكيف مع التغيرات المناخية الحتمية.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث والدراسات حول الغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي في السنوات القادمة، بهدف تحسين فهمنا لعمليات الذوبان والتراجع، وتقديم تنبؤات أكثر دقة حول مستقبل مستوى سطح البحر. سيتم التركيز بشكل خاص على مراقبة التغيرات في الجرف الجليدي وتقييم تأثيرها على استقرار الأنهار الجليدية.

شاركها.