أشاد جيرد مولر، مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، بدور المملكة العربية السعودية الرائد في دفع عجلة التنمية الاقتصادية بالمنطقة. وأكد مولر أن المشاريع الاستراتيجية الضخمة والبرامج المتنوعة التي تنفذها المملكة تمثل نموذجًا طموحًا لتحقيق صناعة مستدامة على الصعيدين الإقليمي والعالمي. جاءت هذه التصريحات خلال مناقشات واجتماعات رفيعة المستوى في فيينا.
ويأتي هذا التقييم في ظل رؤية المملكة 2030 والجهود الحثيثة التي تبذلها لتحويل اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط. وتستهدف هذه الرؤية بناء اقتصاد متنوع، يعزز فيه القطاع الخاص، ويستقطب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويطور البنية التحتية. وقد أعلنت المملكة عن استثمارات تقدر بمليارات الدولارات في قطاعات جديدة مثل السياحة والتكنولوجيا المتطورة والطاقة المتجددة.
السعودية: ريادة واضحة في مسيرة التنمية الاقتصادية
تعتبر المملكة العربية السعودية من أكبر اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.1 تريليون دولار أمريكي (وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي لعام 2023). على الرغم من الاعتماد التاريخي على قطاع النفط، إلا أن المملكة تسعى بجدية لتنويع مصادر الدخل وتعزيز النمو في القطاعات غير النفطية. وقد شهدت المملكة زيادة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات الأخيرة، مما يعكس الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية السعودية.
مشاريع استراتيجية تدعم التنويع
تشهد المملكة تنفيذ حزمة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تهدف إلى دعم جهود التنويع الاقتصادي. ومن أبرز هذه المشاريع: نيوم، وهي مدينة مستقبلية ضخمة تركز على التكنولوجيا والابتكار؛ ومشروع البحر الأحمر، وهو مشروع سياحي فاخر يهدف إلى جذب السياح من جميع أنحاء العالم؛ ومشروع القدية، وهو مدينة ترفيهية ثقافية رياضية. تهدف هذه المشاريع إلى خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة، وتنويع مصادر الدخل.
بالإضافة إلى هذه المشاريع الكبرى، تعمل المملكة على تطوير قطاعات أخرى مثل الصناعة والتعدين والطاقة المتجددة. وقد أطلقت المملكة برنامج تطوير الصناعة الوطنية واللوجستيات (NICLP) بهدف تحويل المملكة إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي. كما تستثمر المملكة في مشاريع الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بهدف زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة.
أشار مولر إلى أهمية الاستدامة في هذه المشاريع، مؤكدًا أن المملكة تولي اهتمامًا كبيرًا بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG). وهذا يعكس التزام المملكة بتحقيق التنمية المستدامة، وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. تعتبر هذه المعايير ذات أهمية متزايدة للمستثمرين الدوليين، حيث يفضلون الاستثمار في الشركات والمشاريع التي تلتزم بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية.
وتشهد المملكة أيضًا تطورات ملحوظة في مجال ريادة الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد أطلقت المملكة العديد من البرامج والمبادرات لدعم ريادة الأعمال، وتوفير التمويل اللازم للشركات الصغيرة والمتوسطة. وتساهم هذه الشركات في خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز النمو الاقتصادي.
في سياق آخر، تولي المملكة اهتمامًا خاصًا بتطوير البنية التحتية الرقمية، حيث تستثمر في شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. تهدف المملكة إلى أن تصبح رائدة في مجال التحول الرقمي، والاستفادة من التكنولوجيا لتحسين جودة الحياة وتعزيز النمو الاقتصادي. وتشمل هذه الجهود تطوير المدن الذكية، وتحسين الخدمات الحكومية الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني.
ويرى خبراء الاقتصاد أن رؤية المملكة 2030 تمثل خطة طموحة جديرة بالاحترام، وأن المملكة لديها القدرة على تحقيق أهدافها، وأن تصبح قوة اقتصادية رائدة على المستويين الإقليمي والعالمي. ومع ذلك، هناك بعض التحديات التي تواجه المملكة، مثل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب، والاعتماد على العمالة الوافدة، وتقلبات أسعار النفط.
لم تكتفِ المملكة بالاستثمارات المحلية، بل تعمل أيضًا على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى. وقد أبرمت المملكة اتفاقيات تجارية واستثمارية مع العديد من الدول حول العالم، مما يعزز من مكانتها كمركز تجاري ولوجستي عالمي. كما تشارك المملكة بفاعلية في المنظمات الدولية والإقليمية التي تهتم بالتنمية الاقتصادية، مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذا التعاون الدولي يساهم في تبادل الخبرات والمعرفة، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
ويرتبط نجاح هذه الجهود ارتباطًا وثيقًا بتطوير القطاع الخاص، والذي تعده المملكة محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي. تسعى الحكومة السعودية إلى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وتخفيف القيود التنظيمية، وتعزيز المنافسة. إضافة إلى ذلك، تركز المملكة على تطوير رأس المال البشري، من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب المهني، لتأهيل الشباب السعودي لسوق العمل.
تتوقع تقارير اقتصادية أن تستمر المملكة في تحقيق نمو اقتصادي قوي في السنوات القادمة، مدفوعة بالاستثمارات الحكومية والخاصة، وتنويع مصادر الدخل، وتحسن البيئة الاستثمارية. ومع ذلك، لا يزال هناك بعض الغموض حول تأثير العوامل الخارجية، مثل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط، على الاقتصاد السعودي. وتستعد وزارة الاقتصاد السعودية لإطلاق خطة جديدة لتنويع الاقتصاد خلال الربع الأول من عام 2024، ومن المتوقع أن تقدم تفصيلات إضافية حول الأهداف والاستراتيجيات المحددة.






