منذ بداية نوفمبر 2025، تصدرت الصين واجهة الأحداث الاقتصادية العالمية، لتكون محوراً مشتركاً في كل خبر رئيسي من أخبار الأسواق. فمن أزمة الرقائق في أوروبا إلى صفقات فول الصويا الأميركية، ومن إلغاء الإعفاءات الضريبية على الذهب إلى سباق العملات الرقمية، وحتى تقلبات أسعار المعادن، أثبتت الصين مجدداً أنها القلب النابض للاقتصاد العالمي، والقوة التي لا يمكن تجاهلها في أي تحرك للسوق.
اضطرابات الرقائق: مواجهة جديدة مع أوروبا
في بداية الشهر، ألقت وزارة التجارة الصينية باللوم على الحكومة الهولندية في تفاقم اضطرابات إمدادات الرقائق العالمية بعد سيطرة الأخيرة على شركة نيكسبيريا الهولندية المملوكة للصين.
وأدى هذا التدخل – وفق وصف بكين – إلى “فوضى في الإنتاج وسلاسل التوريد”، ما اضطر الصين إلى وقف تصدير منتجات الشركة، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً في أسواق التكنولوجيا والرقائق، خصوصاً تلك المستخدمة في صناعة السيارات.
ومع تعليق الشحنات نحو مصانع الصين، دخلت الأسواق مرحلة جديدة من التوتر الصناعي تعكس عمق تشابك المصالح الاقتصادية بين بكين وأوروبا.
صفقات فول الصويا الأميركية: تعاون بعد التوتر
على الجانب الآخر، أظهرت الصين وجهاً أكثر براغماتية في القطاع الزراعي، إذ قفزت العقود المستقبلية لفول الصويا إلى أعلى مستوياتها في خمس سنوات بدعم من مشتريات صينية ضخمة من الولايات المتحدة.
جاءت هذه الخطوة بعد القمة التي جمعت الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترمب، وأسفرت عن تهدئة مؤقتة في التوترات التجارية.
وبحسب البيانات، اشترت الصين ما لا يقل عن أربع شحنات تعادل نحو 250 ألف طن من فول الصويا الأميركي، ضمن خطة أوسع لشراء 12 مليون طن خلال العام الحالي ترتفع إلى 25 مليون طن سنوياً في السنوات المقبلة.
هذه الصفقات أعادت بعض الثقة للمزارعين الأميركيين، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن استمرار اعتماد الولايات المتحدة على السوق الصينية كمشترٍ رئيسي، وهو اعتماد يثير قلق المحللين رغم تحسن العلاقات مؤقتاً.
سوق الذهب: إلغاء الإعفاءات الضريبية يهز الأسواق
في خطوة فاجأت الأسواق، أعلنت الصين عن إلغاء الإعفاء الضريبي على تجارة الذهب داخل البلاد اعتباراً من الأول من نوفمبر.
القرار الجديد ألغى إمكانية خصم ضريبة القيمة المضافة على مبيعات الذهب المشتَرَى من بورصة شنغهاي، ما رفع تكلفة الشراء وأربك حركة المتداولين.
ويهدف هذا القرار إلى تعزيز الإيرادات الحكومية وسط ضغوط مالية ناجمة عن تباطؤ النمو الاقتصادي والعقاري.
وبينما انخفض الطلب بعد موجة شراء محمومة في الأشهر السابقة، ظلت الأسعار مستقرة قرب 4000 دولار للأونصة، مما يعكس بقاء الذهب ملاذاً آمناً رغم التغييرات الضريبية.
العملات الرقمية: سباق بين اليوان الرقمي والدولار المستقر
في ميدان الابتكار المالي، تخوض الصين سباقاً جديداً مع الولايات المتحدة حول العملات الرقمية.
فبينما تدعم واشنطن العملات المستقرة المدعومة بالدولار، تسعى بكين إلى توسيع نطاق استخدام اليوان الرقمي في المعاملات الدولية.
يهدف البنك المركزي الصيني من خلال هذه الخطوة إلى بناء نظام دفع عابر للحدود ينافس نظام “سويفت”، عبر تحويلات فورية وآمنة.
ورغم طموح المشروع، لا يزال تبني اليوان الرقمي محدوداً داخل الصين، إذ يفضل المواطنون تطبيقات مثل علي باي ووي تشات باي في معاملاتهم اليومية، ما يضع أمام الحكومة تحديات كبيرة في الانتشار الواسع.
المعادن والأسواق العالمية: النحاس والألمنيوم تحت الضغط
في قطاع المعادن، استمر تأثير الصين واضحاً على حركة الأسعار في الأسواق العالمية.
فبعد أن سجل النحاس مستويات قياسية في الأسبوع الأول من نوفمبر بفضل الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين، عاد للتراجع مع صدور بيانات أظهرت تباطؤ نشاط التصنيع في الصين إلى 50.6 نقطة، وهو أدنى مستوى في تسعة أشهر.
كما شهد الألمنيوم ارتفاعاً قوياً بأكثر من 7% في أكتوبر نتيجة تراجع الإمدادات، قبل أن يتراجع لاحقاً مع ارتفاع الدولار الأميركي ومخاوف التباطؤ الاقتصادي في الصين.
ويرى المحللون أن القيود المفروضة على الطاقة الإنتاجية واضطرابات المناجم في آسيا وأفريقيا ستبقي الأسعار مرتفعة نسبياً على المدى القصير.
الخلاصة: الصين مركز ثقل الاقتصاد العالمي
رغم التحديات والضغوط، تواصل الصين لعب دورها المحوري في تشكيل اتجاهات الأسواق العالمية.
فهي طرف رئيسي في صراعات التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، ومحرك أساسي لأسواق السلع، ومنافس قوي في سباق العملات الرقمية.
ومع كل خطوة تتخذها، يتفاعل العالم معها مباشرة، مما يجعل نوفمبر 2025 شهراً جديداً يثبت أن الاقتصاد العالمي لا يتحرك إلا تحت تأثير بكين.






