يندرج الصرع ضمن الأمراض العصبية المزمنة التي تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم. وهو اضطراب يتميز بنوبات متكررة ناتجة عن خلل في النشاط الكهربائي للدماغ. فهم طبيعة الصرع، وأسبابه المحتملة، وطرق التعامل مع النوبات، أمر بالغ الأهمية لتحسين جودة حياة المرضى وتقليل المخاطر المرتبطة به.

تحدث النوبات الصرعية نتيجة لتغيرات مفاجئة في طريقة عمل الخلايا العصبية في الدماغ. يمكن أن تتراوح هذه النوبات في شدتها وأعراضها، بدءًا من التحديق في الفراغ لفترة قصيرة وحتى فقدان الوعي وتشنجات الجسم. يؤدي هذا الخلل الكهربائي إلى تعطيل الوظائف الطبيعية للدماغ، مما يسبب مجموعة متنوعة من الأعراض الجسدية والذهنية.

أسباب الصرع المحتملة

وفقًا للدكتور أوفه ماير، رئيس الجمعية المهنية لأطباء الأعصاب الألمان، فإن سبب معظم حالات الصرع يظل غير معروف. ومع ذلك، هناك بعض العوامل التي يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالمرض، مثل إصابات الدماغ، والسكتة الدماغية، وأورام المخ، والتهابات الدماغ.

بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى أن بعض الحالات الوراثية يمكن أن تلعب دورًا في تطور الصرع. على الرغم من أن الطفرات الجينية لا تسبب الصرع في جميع الحالات، إلا أنها قد تزيد من القابلية للإصابة به لدى بعض الأفراد. كما وجدت بعض الأبحاث صلة بين متلازمة توريت وخطر الإصابة بالصرع.

من المهم ملاحظة أن أنواعًا معينة من الصرع تظهر بشكل رئيسي في مراحل معينة من الحياة، مثل صرع الأطفال وصرع كبار السن. قد تختلف الأسباب والعوامل المساهمة في هذه الأنواع من الصرع تبعًا للفئة العمرية.

التعامل مع النوبات والمخاطر المرتبطة بها

عادةً ما تكون النوبات غير ضارة وتنتهي بعد بضع دقائق، ولكنها قد تؤدي إلى إصابات في بعض الحالات، خاصة إذا حدثت أثناء ممارسة نشاط بدني أو في بيئة خطرة. يجب التأكد من سلامة المريض خلال النوبة عن طريق إزالة أي أشياء قد تشكل خطرًا وإبعادها عن متناوله.

يعد “الموت الصرعي المفاجئ” (Sudden Unexpected Death in Epilepsy – SUDEP) أحد المضاعفات النادرة ولكن الخطيرة لمرض الصرع. تحدث هذه الوفاة المفاجئة بسبب اضطراب في وظائف الدماغ والجهاز التنفسي أو القلبي الوعائي أثناء أو بعد النوبة.

ما يجب فعله أثناء النوبة

يجب الحفاظ على هدوئك وتأمين المنطقة المحيطة بالشخص المصاب. لا تحاول تقييد حركته أو وضع أي شيء في فمه. قم بحماية رأسه وضع شيئًا ناعمًا تحته لمنع الإصابات. إذا استمرت النوبة لأكثر من خمس دقائق، يجب الاتصال بخدمات الطوارئ على الفور.

الوقاية وإدارة الصرع

تعتبر الأدوية المضادة للصرع هي العلاج الرئيسي للسيطرة على النوبات وتقليل خطر حدوث المضاعفات. يجب على المرضى الالتزام بجرعات الدواء الموصوفة لهم وتناولها في مواعيدها المحددة، وذلك تحت إشراف الطبيب المعالج.

بالإضافة إلى الأدوية، يمكن اتباع بعض الإجراءات لتقليل خطر النوبات، مثل الحصول على قسط كاف من النوم، وتجنب التوتر والقلق، والإقلاع عن التدخين، وتناول نظام غذائي صحي ومتوازن. كما أن تجنب الأنشطة التي قد تعرض المريض للخطر أثناء النوبة (مثل السباحة أو القيادة) أمر مهم للغاية.

تتوفر الآن بعض الأنظمة التكنولوجية التي تهدف إلى الكشف عن نوبات الصرع وتنبيه مقدمي الرعاية. تشمل هذه الأنظمة الأجهزة القابلة للارتداء وأجهزة الاستشعار التي تراقب النشاط الكهربائي للدماغ أو العلامات الحيوية الأخرى. ومع ذلك، يجب ملاحظة أن هذه الأنظمة لا تزال قيد التطوير وقد لا تكون قادرة على الكشف عن جميع أنواع النوبات بدقة.

في الختام، الصرع هو حالة عصبية معقدة تتطلب التشخيص والعلاج المناسبين. تتواصل الأبحاث لتحديد الأسباب الدقيقة للمرض وتطوير علاجات أكثر فعالية. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تطورات كبيرة في مجال تكنولوجيا الكشف عن النوبات وإدارتها، مما قد يحسن بشكل كبير جودة حياة مرضى الصرع.

شاركها.