شهدت حركة التجارة العالمية تباطؤاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، حيث أظهر أحدث مؤشرات منظمة التجارة العالمية انخفاضاً في نمو شحنات البضائع. يأتي هذا التباطؤ بعد فترة من الزخم شهدتها في بداية العام، والتي كانت مدفوعة بمساعي الشركات لتقديم طلبات الشراء مبكراً لتجنب الرسوم الجمركية المتزايدة. وتتوقع المنظمة مزيداً من الاعتدال في النمو خلال الفترة المقبلة.

أفادت منظمة التجارة العالمية، ومقرها جنيف، بأن مؤشرها الخاص بالبضائع انخفض إلى 101.8 نقطة في سبتمبر، مقارنة بـ 102.2 نقطة في يونيو. يشير هذا الرقم إلى أن وتيرة النمو المتوقعة في الربع القادم من المرجح أن تكون ضمن المعدلات المتوسطة طويلة الأجل. ويعتبر هذا التراجع مؤشراً واضحاً على تراجع حيوية التجارة العالمية.

تراجع الزخم في التجارة العالمية وارتفاع المخاوف

على الرغم من استمرار توسع بعض القطاعات مثل الشحن الجوي والنقل بالحاويات، إلا أن المنظمة أشارت إلى أن هذا التوسع لم يعد بنفس القوة التي كان عليها في يونيو الماضي. هذا يشير إلى أن التباطؤ في حركة البضائع يشمل جوانب متعددة من التجارة العالمية.

أظهرت البيانات أيضاً استقراراً في قطاعي السيارات والإلكترونيات، بينما واصل قطاع الزراعة انخفاضه. ومع ذلك، لفتت المنظمة إلى تحسن ملحوظ في طلبات التصدير الجديدة، مما قد يشير إلى بعض الإيجابية المستقبلية على صعيد الطلب.

تأثير الرسوم الجمركية والتوترات التجارية

يعزى هذا التباطؤ بشكل كبير إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على واردات من مختلف أنحاء العالم، وخاصةً الصين. دفعت هذه الرسوم الشركات إلى إعادة تقييم سلاسل التوريد الخاصة بها والبحث عن مصادر بديلة.

وبحسب البيانات، انخفضت واردات الولايات المتحدة من الصين بنسبة 22% حتى شهر أغسطس. في المقابل، شهدت شحنات من دول مثل فيتنام والهند وتايلندا وزيادة بأكثر من 20% خلال نفس الفترة. يعكس هذا التحول جهود الشركات لتنويع مصادرها وتجنب تأثير الرسوم الجمركية. وهذا يوضح مدى تأثير السياسات التجارية على إعادة هيكلة التجارة الدولية.

توقعات النمو المستقبلية

تتوقع منظمة التجارة العالمية نمواً في حجم التجارة العالمية بنسبة 2.4% للعام الحالي، وهو أقل من النمو الذي سجلته في عام 2023 والبالغ 2.8%. كما توقعت المنظمة تباطؤاً أكبر في العام القادم، مع توقعات بنمو لا يتجاوز 0.5%.

يعتبر هذا التباطؤ في النمو انعكاساً للعديد من العوامل، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الفائدة، والتباطؤ الاقتصادي في عدد من الدول الكبرى. وتُضاف إلى هذه العوامل تحديات تتعلق بسلاسل الإمداد، والتي لا تزال تعاني من بعض الاختناقات المتبقية من جائحة كوفيد-19.

من الجانب الآخر، تتأثر التجارة العالمية أيضاً بأسعار الصرف وتقلباتها، بالإضافة إلى التغيرات في سياسات التجارة والاستثمار بين الدول. وتشير المنظمة إلى أن حالة عدم اليقين هذه تزيد من صعوبة التنبؤ بالمسار المستقبلي للتجارة.

كما أثرت زيادة تكاليف الشحن وارتفاع أسعار الوقود على تكلفة التجارة العالمية، مما ساهم في زيادة الضغوط على الشركات والمستهلكين. وتتصاعد هذه الضغوط مع استمرار الصراع في مناطق رئيسية تؤثر على طرق التجارة وخطوط الملاحة.

وستراقب منظمة التجارة العالمية عن كثب التطورات الاقتصادية والسياسية في الأشهر القادمة لتقييم تأثيرها على التجارة العالمية. من المتوقع أن تصدر المنظمة تحديثاً لتوقعاتها في مارس القادم، مما قد يوفر رؤية أوضح للمسار المستقبلي للنمو التجاري. وسيكون من المهم أيضاً متابعة المفاوضات التجارية الجارية بين الدول الكبرى، والتي قد تؤدي إلى تخفيف بعض التوترات التجارية وتعزيز التعاون.

بالإضافة إلى ذلك، سيؤثر التطور التكنولوجي السريع، بما في ذلك التجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، بشكل متزايد على مستقبل التجارة الدولية. وستحتاج الدول والشركات إلى التكيف مع هذه التغيرات والاستفادة من الفرص الجديدة التي تتيحها التكنولوجيا.

شاركها.