كشفت دراسة علمية واسعة النطاق، نشرت نتائجها مجلة “نيتشر” المرموقة، عن وجود روابط جينية متداخلة بين العديد من الاضطرابات النفسية التي كانت تعتبر في السابق حالات منفصلة. ويؤكد الباحثون أن هذه الاكتشافات قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في كيفية تصنيف وتشخيص وعلاج هذه الحالات المعقدة في المستقبل.
أجريت الدراسة، التي حملت عنوان “رسم الخريمة الجينية لـ14 اضطرابًا نفسيًا”، بالتعاون بين أكثر من عشر مؤسسات أكاديمية عالمية، بما في ذلك جامعة “كولورادو بولدر” وجامعة هارفارد. وقد شارك في هذا الجهد البحثي فريق اتحاد الجينوميات النفسية -مجموعة العمل العابرة للاضطرابات- بقيادة الباحث أندرو دي غروتزِنغر.
الخريطة الجينية للاضطرابات النفسية: اكتشافات رئيسية
اعتمد البحث على تحليل بيانات جينومية شاملة لأكثر من مليون و56 ألف شخص مصاب باضطرابات نفسية، بالإضافة إلى بيانات من ملايين الأفراد الأصحاء. استخدم الباحثون تقنيات تحليلية متقدمة لتحديد العوامل الوراثية المشتركة بين هذه الاضطرابات المختلفة.
أظهرت النتائج أن 14 اضطرابًا نفسيًا رئيسيًا يمكن تجميعها ضمن خمس مجموعات جينية متميزة، مما يعكس الروابط الوراثية القوية بينها. تشمل هذه المجموعات عوامل مرتبطة بالوسواس القهري، والفصام واضطراب ثنائي القطب، والتطور العصبي، والاضطرابات الداخلية مثل الاكتئاب والقلق، واضطرابات تعاطي المواد.
العوامل الجينية المشتركة وتأثيرها
حددت الدراسة 238 متغيرًا جينيًا (Genetic loci) مرتبطًا بهذه الاضطرابات، مما يشير إلى شبكة معقدة من التفاعلات الجينية. وتشير هذه النتائج إلى أن بعض الجينات قد تزيد من خطر الإصابة بأكثر من اضطراب نفسي واحد، مما يفسر بعض أوجه التشابه في الأعراض والاستجابة للعلاج.
على سبيل المثال، تبين أن الفصام واضطراب ثنائي القطب يشتركان في حوالي 70% من العوامل الجينية المؤثرة. بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد نقاط جينية ساخنة على الكروموسوم 11، والتي تضم جينات مثل جين مستقبل الدوبامين D2 (DRD2)، وهو جين يلعب دورًا هامًا في تنظيم الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمزاج والتحفيز.
الآثار المترتبة على التشخيص والعلاج
تثير هذه الدراسة تساؤلات حول مدى كفاية التصنيف الحالي للاضطرابات النفسية، والذي يعتمد بشكل كبير على الأعراض السلوكية الظاهرة. ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يكون محدودًا، لأنه لا يعكس بشكل كامل الاختلافات البيولوجية الأساسية بين المرضى.
يقترح الباحثون تبني نهج تشخيصي وعلاجي أكثر دقة يعتمد على الأنماط الجينية المشتركة. قد يسمح هذا النهج بتطوير علاجات تستهدف الآليات البيولوجية الأساسية للاضطرابات النفسية، بدلاً من مجرد التعامل مع الأعراض. وهذا التحول قد يؤدي إلى تحسين كبير في فعالية العلاجات وتقليل الآثار الجانبية.
تعتبر الصحة النفسية مجالًا معقدًا يتأثر بعوامل وراثية وبيئية ونفسية واجتماعية. وتشير الدراسة إلى أن فهم التفاعلات بين هذه العوامل أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة. كما أن فهم الوراثة النفسية يمكن أن يساعد في تحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر وتقديم الدعم المناسب لهم.
خطوات مستقبلية وتحديات
على الرغم من أهمية هذه الدراسة، يقر الباحثون بوجود بعض القيود. أحد القيود الرئيسية هو أن غالبية العينات الجينية المستخدمة في الدراسة كانت من أشخاص من أصول أوروبية. لذلك، هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات التي تشمل تنوعًا جينيًا أوسع لضمان إمكانية تعميم النتائج على جميع المجموعات السكانية.
بالإضافة إلى ذلك، يؤكد الباحثون أن الجينات ليست العامل الوحيد الذي يحدد خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية. تلعب العوامل البيئية والنفسية والاجتماعية أيضًا دورًا هامًا. لذلك، من الضروري مراعاة هذه العوامل عند تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث التي تهدف إلى فهم التفاعلات المعقدة بين الجينات والبيئة في سياق الأمراض العقلية.
من المرجح أن تؤدي هذه الاكتشافات إلى تحديثات في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) في المستقبل، مع إمكانية دمج المؤشرات البيولوجية في عملية التشخيص. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به قبل أن يصبح هذا النهج التشخيصي والعلاجي الجديد حقيقة واقعة.






