أدى الانقطاع المستمر للإنترنت في إيران إلى ترسيخ نظام قمع رقمي دائم، حيث تعتبر السلطات وصول المواطنين إلى العالم الخارجي “تهديدًا وجوديًا”، وفقًا لمراقبين حقوقيين رقميين. وتأتي هذه الخطوة في ظل احتجاجات مستمرة منذ أواخر ديسمبر، مما أثار مخاوف بشأن حرية التعبير والحصول على المعلومات في البلاد. هذا انقطاع الإنترنت في إيران ليس مجرد عطل فني، بل هو سياسة مقصودة.

تدهور حرية الإنترنت في إيران: نحو “شبكة فلترة زائدة”

أفادت مجموعة مراقبة الإنترنت NetBlocks بأن مشهد الاتصال في إيران قد تغير بشكل كبير مع دخول البلاد يومها الثاني والعشرين من الاحتجاجات، بعد أيام قليلة من انقطاع شبه كامل للإنترنت على مستوى البلاد. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن الاتصال بالإنترنت لا يزال محدودًا وغير مستقر في بعض المناطق.

وصف الرئيس التنفيذي لـ NetBlocks، ألب توكر، هذا التطور بأنه “تحول نحو مخطط رقابة ‘شبكة فلترة زائدة'” في إيران. الفرق الرئيسي عن الترتيب السابق للانقطاع هو أنه بينما كانت منصات الإنترنت تخضع لرقابة واسعة النطاق، فإن النظام يقوم الآن باختيار عدد قليل فقط من الخدمات التي يعتبرها ضرورية للاحتياجات التجارية.

القيود المتزايدة على الوصول إلى المعلومات

حتى هذا الوصول الانتقائي غير منتظم، مما يشير إلى أن الرقابة لا تزال في مرحلة الاختبار. في الواقع، يظل المستخدمون العاديون غير متصلين بالإنترنت. يقول توكر إن “الظلام الرقمي يزداد قتامة لأن ضوابط المعلومات تشتد”.

ترى السلطات في أي اتصال بالعالم الخارجي تهديدًا محتملاً، معتبرةً قدرة المواطنين على التواصل مع الآخرين “تهديدًا وجوديًا” بسبب الاستياء الشعبي المتزايد. هذا يعكس قلقًا عميقًا من إمكانية تنظيم الاحتجاجات وتوثيقها ونشرها على نطاق واسع.

وفقًا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA)، قُتل ما لا يقل عن 2571 شخصًا حتى يوم الاثنين، مع ورود تقارير عن وفيات إضافية لم يتم التحقق منها بالكامل بسبب انقطاع الاتصالات. بدأ انقطاع الإنترنت في إيران في 8 يناير، بالتزامن مع تصاعد المظاهرات منذ 28 ديسمبر، حيث سعت السلطات إلى منع المتظاهرين من التنظيم ومشاركة مقاطع الفيديو الخاصة بالقمع والتواصل مع العالم الخارجي.

تتزامن هذه القيود مع حوادث إلكترونية تستهدف البنية التحتية للدولة الإيرانية. وقد تمكن نشطاء مناهضون للنظام من اختراق القناة التلفزيونية الوطنية الإيرانية، وإيقاف بثها لفترة وجيزة لبث رسائل احتجاج ودعوات من رضا بهلوي، ابن الشاه الإيراني السابق والشخصية البارزة في المعارضة.

تداعيات أوسع: الأمن السيبراني والجيل زد

يشير توكر إلى أن نقص الأمن السيبراني المتزايد في إيران يعود بشكل مباشر إلى عزلها الرقمي. أنظمة الإنترنت الإيرانية قديمة، وأدوات الأمان غير متوفرة بسبب قيود الإنترنت. بالإضافة إلى ذلك، تضطر البلاد إلى استخدام برامج مقرصنة على نطاق واسع بسبب الحظر، مما يزيد من خطر الاختراقات الأمنية.

وتشير التقارير إلى أن الرقابة على الإنترنت في إيران قد تستمر حتى أواخر مارس على الأقل، حيث صرحت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة موهاجراني، لوسائل الإعلام أن الوصول إلى الخدمات عبر الإنترنت الدولية لن يتم استعادته قبل النوروز، رأس السنة الفارسية، في 20 مارس. هذا يعني استمرارًا للقيود المفروضة على حرية التعبير والحصول على المعلومات.

يؤكد توكر أن الوصول إلى الإنترنت كان دائمًا “نافذة على العالم وخط حياة للعديد من الإيرانيين”، مما يسمح بالتعبير الشخصي والثقافة المحظورة من قبل النظام. هذه الحريات تشمل أشياء بسيطة مثل الألعاب عبر الإنترنت ومشاهدة الأفلام الأجنبية وقدرة المرأة على المشاركة المتساوية في المساحات التي قد تحظرها الجمهورية الإسلامية. مع استمرار انقطاع الإنترنت في إيران، يتم إغلاق هذه النافذة، مما يثير غضب العديد من الإيرانيين، وخاصة جيل زد، الذين قد يفقدون جزءًا من هويتهم.

الوضع الحالي يثير تساؤلات حول مستقبل الإنترنت في إيران وتأثيره على المجتمع والاقتصاد. من المتوقع أن تستمر السلطات في تشديد الرقابة وتقييد الوصول إلى المعلومات، مما قد يؤدي إلى مزيد من الاحتجاجات والاستياء الشعبي. من المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، بما في ذلك أي تغييرات في سياسات الإنترنت أو أي حوادث إلكترونية جديدة، لتقييم التأثير الكامل لهذه القيود على إيران.

شاركها.