يبحث وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب شامبين، عن تعزيز الروابط الاقتصادية العالمية مع أوروبا، في ظل توتر العلاقات مع الولايات المتحدة. اجتمع شامبين مع 21 وزيراً من منطقة اليورو في بروكسل لمناقشة الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية، وذلك في خطوة تسعى من خلالها كندا إلى بناء شراكات استراتيجية جديدة وتأكيد مكانتها على الساحة الدولية.
خلال الاجتماع، اتفق شامبين وشركاؤه في منطقة اليورو على أهمية تنسيق السياسات الاقتصادية لتعزيز إعادة التوازن العالمي، وفي الوقت ذاته، التصدي للتهديدات الجيواقتصادية. أكد الوزير الكندي على التزام بلاده الراسخ بتعميق العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، خاصة في مجالات الأمن والدفاع، والمعادن الحيوية، والابتكار والبحث، وتنويع التجارة.
تعزيز الشراكات لمواجهة الاختلالات الاقتصادية العالمية
في ظل تراجع النظام الدولي القائم على القواعد، صرح الوزير شامبين بأن الحكومة الكندية ملتزمة بتعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. وأوضح أن هذه الشراكات الاستراتيجية لا تقتصر على الدفاع عن القيم المشتركة، بل تمتد لتشمل تعزيز مكانة كندا على الساحة العالمية.
وأشار شامبين إلى أن المناقشات حول سبل معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية ستتواصل في صيغ أخرى، بما في ذلك اجتماعات مجموعة السبع (G7) ومجموعة العشرين (G20) القادمة. هذا التركيز على التعاون الدولي يعكس إدراكاً متزايداً للتحديات التي تفرضها التغيرات الجيوسياسية على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
تأتي هذه الخطوات بالتوازي مع مبادرات أخرى اتخذتها كندا لتعزيز تنوع شراكاتها التجارية والدبلوماسية. يأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات مع الولايات المتحدة حالة من التوتر، مما يدفع أوتاوا للبحث عن أسواق وقنوات تعاون جديدة لتأمين مصالحها الاقتصادية.
من جانبهم، بدأ وزراء مالية منطقة اليورو نقاشات حول الدور العالمي لليورو في التجارة الدولية والسياسة النقدية الرقمية. وعلى الرغم من عدم اتخاذ استراتيجيات ملموسة بعد، فقد أشار الوزراء إلى أن هذا هو التوجه السياسي الذي تسعى منطقة اليورو إلى اتباعه مستقبلاً. هذه المبادرات تعكس رغبة المنطقة في تعزيز استقلاليتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على العملات الاحتياطية التقليدية.
فهم الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية
تحدث الاجتماع عن مفهوم الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية، والتي تحدث عندما تنفق بعض الدول باستمرار أكثر مما تكسب، بينما تدخر دول أخرى أكثر مما تنفق، وتصبح هذه الفجوة كبيرة وطويلة الأمد. على سبيل المثال، تستورد الولايات المتحدة سلعًا أكثر مما تصدر، وبالتالي تعاني من عجز تجاري؛ في المقابل، تصدر الصين أكثر مما تستورد، مما يؤدي إلى فائض لديها.
من وجهة نظر الحكومة الكندية والعديد من قادة الاتحاد الأوروبي، فإن هذه الاختلالات، وغيرها من الاختلالات الكبرى، قد جعلت النظام العالمي عرضة للتلاعب القسري. هذا التوجه نحو استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح يثير قلقاً متزايداً لدى الدول التي تسعى إلى نظام عالمي مستقر وعادل.
وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي في يناير الماضي، بأن “القوى العظمى بدأت تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كرافعة، والبنى التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل الإمداد كنقاط ضعف يتم استغلالها”.
وأضاف كارني في ملاحظاته أن “لا يمكنك العيش في كذبة المنفعة المتبادلة من خلال الاندماج عندما يصبح الاندماج مصدرًا لخضوعك”. هذه التصريحات تسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تنطوي عليها العلاقات الاقتصادية الدولية في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية.
الخطوات المستقبلية وتعزيز اليورو الرقمي
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية في الأطر الدولية، مع التركيز على ضرورة إيجاد حلول مستدامة لهذه التحديات. ستكون اجتماعات G7 وG20 القادمة منصات رئيسية لتبادل الرؤى وتنسيق الجهود بين الدول الكبرى.
في الوقت نفسه، تواصل منطقة اليورو استكشاف دور اليورو في المستقبل، بما في ذلك إمكانية تطوير عملة رقمية. هذا التوجه قد يعزز قدرة اليورو على المنافسة في النظام المالي العالمي ويقلل من مخاطر الاعتماد على عملات أخرى. يمثل تطوير اليورو الرقمي خطوة استراتيجية نحو تحول في السياسة النقدية الدولية.
يبقى التحدي الرئيسي هو تحقيق توازن بين معالجة الاختلالات الهيكلية وتعزيز الاستقرار المالي العالمي، مع ضرورة التصدي للتهديدات الجيوسياسية المتزايدة. ستخضع القرارات المتخذة في المستقبل لتقييم دقيق لمدى فعاليتها في تحقيق هذه الأهداف.






