في ظل التسارع المحموم للأحداث الميدانية التي تعصف بالمنطقة، باتت عبارة حرب إيران مباشر هي المحرك الأساسي لعمليات البحث على الإنترنت، حيث يسعى المتابعون لاختراق جدار الصمت الذي تفرضه الرقابة العسكرية الإسرائيلية. وبرغم المحاولات المستميتة لتصوير الوضع تحت السيطرة، جاءت الأرقام الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة الإسرائيلية لتكشف المستور؛ إذ أقرّت بإصابة 6833 إسرائيلياً منذ انطلاق المواجهة، وهو رقم يمثل في جوهره اعترافاً ضمنياً بحجم الاستنزاف البشري الذي يعاني منه الداخل الصهيوني، في وقت يمارس فيه الإعلام العبري سياسة “القطارة” لتغطية خسائره الفادحة وهروباً من مواجهة الرأي العام بحقيقة الأعداد المرعبة للقتلى.

التعتيم الإعلامي وسياسة “القطارة” في نشر البيانات

الملاحظ في السلوك الإسرائيلي الرسمي منذ بداية النزاع هو اتباع سياسة صارمة في إدارة المعلومات. فعندما تتحدث وزارة الصحة عن آلاف المصابين، نجد غياباً تاماً ومريباً لذكر أعداد القتلى بشكل دقيق وشفاف. هذه المفارقة تثير الريبة لدى المحللين؛ فكيف يمكن لوقوع ما يقرب من سبعة آلاف إصابة، في حرب تستخدم فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة انتحارية، ألا تسفر عن أعداد قتلى تتناسب مع هذا الحجم من الإصابات؟

إن ما نراه اليوم هو ممارسة احترافية لما يسمى “التعتيم الإعلامي الممنهج”. تكتفي السلطات بنشر أرقام الإصابات التي يمكن وصفها بـ “الطفيفة” أو “المتوسطة” لامتصاص غضب الشارع، بينما تُخفي الأرقام الحرجة والجثامين خلف جدران الرقابة العسكرية المشددة. هذه الرقابة تمنع المستشفيات ووسائل الإعلام من نشر أي تفاصيل تتعلق بالخسائر البشرية الفادحة إلا بعد الحصول على إذن مسبق، وغالباً ما يتم التأخر في إعلان الوفيات لعدة أيام أو أسابيع لتوزيع الصدمة على فترات زمنية متباعدة.

لماذا تخفي إسرائيل حجم قتلاها الحقيقي؟

هناك عدة أسباب استراتيجية ونفسية تدفع القيادة الإسرائيلية إلى إخفاء الحقيقة الميدانية، ومن أبرزها:

  • الحفاظ على الروح المعنوية للجمهور: الداخل الإسرائيلي يعاني أصلاً من تصدعات اجتماعية وسياسية، وإعلان مئات القتلى في وقت قصير قد يؤدي إلى انهيار الجبهة الداخلية وخروج تظاهرات تطالب بوقف الحرب فوراً.
  • منع “صورة النصر” للطرف الآخر: يدرك الاحتلال أن الخصم يراقب أخبار إسرائيل بدقة، وأي اعتراف بخسائر بشرية فادحة يُعد وقوداً دعائياً وإثباتاً لنجاح الضربات الإيرانية في تحقيق أهدافها.
  • تأثير ذلك على الجيش: إخفاء أعداد القتلى يساعد في الحفاظ على تماسك الجنود في الميدان، حيث أن المعرفة بحجم الموت الحقيقي قد تسبب حالات من الفرار أو رفض الخدمة العسكرية.

واقع المستشفيات وحالة الطوارئ القصوى

برغم التعتيم، لا يمكن إخفاء الازدحام الشديد في غرف الطوارئ وأقسام التأهيل. إن الرقم 6833 الذي أقرته وزارة الصحة يعكس ضغطاً هائلاً على البنية التحتية الطبية. التقارير المسربة تشير إلى أن العديد من المستشفيات، مثل “رمبام” في حيفا و”سوروكا” في الجنوب، تعمل بأقصى طاقتها، وقد تم تحويل مواقف السيارات تحت الأرض إلى عنابر للمصابين.

الإصابات لا تقتصر فقط على الجروح الجسدية الناجمة عن الشظايا والحرائق، بل إن هناك آلاف الحالات التي تُصنف تحت بند “الصدمات النفسية” وحالات الهلع. هؤلاء المصابون نفسياً يمثلون عبئاً طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، إذ تتطلب حالاتهم سنوات من العلاج، وهو جانب آخر يحاول الإعلام العبري التقليل من شأنه ليوهم العالم بأن الأمور تحت السيطرة.

الفوارق بين التقارير الرسمية والواقع الميداني

إذا قارنا ما تنشره وزارة الصحة وما يتم تداوله في المنتديات الإسرائيلية المغلقة التي يديرها أهالي الجنود، سنجد فجوة هائلة. هناك مئات القصص عن جنازات تُقام في ساعات متأخرة أو تحت تعتيم كامل، وعائلات تُمنع من الحديث عن ظروف مقتل أبنائها. هذا التناقض يؤكد أن الرقم المعلن للمصابين هو “رأس جبل الجليد” فقط، والهدف منه هو إعطاء انطباع بالشفافية الزائفة، بينما الجسد الإسرائيلي ينزف بصمت خلف كواليس الرقابة.

علاوة على ذلك، فإن استخدام إسرائيل لشركات أمنية خاصة ومقاتلين أجانب أحياناً يسهل عملية إخفاء القتلى، حيث لا يتم إدراج هؤلاء في سجلات الجيش الرسمية التي تُعرض على الجمهور، مما يقلل من الرقم النهائي للضحايا الذي قد يسبب أزمة سياسية للحكومة الحالية.

التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذا النزيف

لا يمكن فصل الأرقام الطبية عن الواقع الاقتصادي. إن إصابة ما يقرب من سبعة آلاف شخص تعني خروج آلاف العمال والجنود من القوة الإنتاجية، وتحميل ميزانية الدولة مليارات الدولارات كتعويضات ومعاشات عجز. هذا النزيف البشري والمادي يضع الحكومة في مأزق أمام دافعي الضرائب الذين بدأوا يشعرون بوطأة الحرب في حياتهم اليومية.

سياسياً، يحاول القادة الحاليون كسب الوقت عبر هذه الأرقام المجتزأة. فهم يدركون أن لحظة الحقيقة، حين يتم الكشف عن الأعداد الفعلية للقتلى والمصابين بإعاقات دائمة، ستكون هي اللحظة التي يسقط فيها القناع عن الادعاءات بالانتصار الساحق. لذا، يظل التعتيم هو السلاح الأخير لحماية الكرسي السياسي، حتى لو كان ذلك على حساب المصداقية أمام شعبهم.

في الختام

يبقى الرقم 6833 إصابة مجرد إشارة بسيطة في بحر من الخسائر التي يحاول الاحتلال طمرها تحت تراب الدعاية الحربية. إن سياسة إخفاء القتلى والتعتيم على حجم الدمار الحقيقي في العمق الإسرائيلي قد تنجح لفترة مؤقتة في تأخير الانفجار الداخلي، لكنها لن تغير من حقيقة أن “حرب إيران” قد تركت ندوباً غائرة في الجسد الإسرائيلي لا يمكن مداواتها بالأرقام المجتزأة. الحقيقة دائماً تجد طريقها للظهور، وما تخفيه المستشفيات اليوم ستكشفه المقابر وقصص العائلات المفجوعة غداً، ليتبين للعالم أجمع أن الثمن الذي دُفع كان أضعاف ما تجرأت وزارة الصحة على إعلانه.

شاركها.