كشفت وثائق حديثة صادرة عن وزارة العدل الأمريكية، تتعلق بقضية المتحرش الجنسي المدان جيفري إبشتاين، عن تفاصيل مثيرة للاهتمام حول كيفية تعامل شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل مع طلبات الحكومة الأمريكية للحصول على معلومات المستخدمين. تضمنت هذه الوثائق، التي تم نشر أكثر من ثلاثة ملايين منها الشهر الماضي، أوامر استدعاء موجهة إلى جوجل، بالإضافة إلى رسائل من الشركة توضح استجابتها لتلك الطلبات، مما يسلط الضوء على الديناميكيات المعقدة بين خصوصية المستخدمين والتحقيقات الفيدرالية. هذه المستجدات تثير تساؤلات حول شفافية وفعالية قوانين حماية البيانات في العصر الرقمي، وكيفية موازنتها مع الحاجة إلى إنفاذ القانون.
ووفقًا لما وجدته شبكة WIRED في مجموعة الوثائق الأخيرة، فإن أوامر الاستدعاء الصادرة بحق جوجل تمنح نظرة عميقة على طبيعة المعلومات التي تسعى إليها الحكومة. كما تكشف عن كيفية استجابة جوجل لهذه الطلبات، مع تقديمه لبيانات قد تتعلق بمستخدمين محددين. وعلى الرغم من رفض جوجل التعليق على تفاصيل محددة في هذه الوثائق، فقد أكدت المتحدثة باسم الشركة، كاتلين جباري، في بيان مكتوب أن “عمليات الشركة للتعامل مع طلبات إنفاذ القانون مصممة لحماية خصوصية المستخدمين مع الوفاء بالتزاماتنا القانونية”. وأضافت أن جوجل “تراجع جميع المطالبات القانونية لتقييم صلاحيتها، ونحن نعترض على المطالبات المفرطة، بما في ذلك الاعتراض على بعضها بالكامل”.
تفاعل جوجل مع الأوامر الحكومية
توضح الوثائق المقدمة حجم محاولات الحكومة أحيانًا للحصول على معلومات دون موافقة قاضٍ، وكيف تقاوم جوجل الطلبات التي تعتبرها تتجاوز ما هو مطلوب بموجب القانون. كما تظهر أنواع المعلومات التي قامت الشركة بتسليمها سابقًا بشأن مستخدميها. وفي حين أن جوجل تتعهد بحماية خصوصية مستخدميها، فإن هذه الوثائق تشير إلى آليات مرنة تسمح بالكشف عن بيانات معينة بناءً على أوامر استدعاء، مما يبرز التحديات التي تواجه منظومة حماية البيانات.
من اللافت للنظر أن العديد من الملفات التي تم تضمينها في كشوفات قضية إبشتاين تحمل عنوان “معلومات مشترك جوجل” (GOOGLE SUBSCRIBER INFORMATION). وتضمنت هذه الملفات اسم الحساب، وعنوان البريد الإلكتروني ورقم الهاتف للاستعادة، والخدمات التي يمكن للحساب الوصول إليها، وتاريخ إنشاء الحساب، و”عنوان IP الخاص بشروط الخدمة”، وسجل نشاط عناوين IP. هذه المعلومات تعتبر أساسية في تتبع هوية المستخدمين ونشاطهم الرقمي.
السرية كسياسة تصميم
عادة ما تكون أوامر الاستدعاء محمية بالسرية. فقد حظر خطاب يعود تاريخه إلى عام 2019، وموقع من قبل المدعي العام الأمريكي آنذاك للمنطقة الجنوبية لنيويورك وموجه إلى القسم القانوني في جوجل، الشركة بموجب القانون من الكشف عن وجود الرسالة لمتهمة في قضية إبشتاين، جيسلين ماكسويل، لمدة 180 يومًا من تاريخ صدور الأمر. كما طلبت الرسالة من جوجل إخطار المدعين العامين إذا كانت تخطط لإخبار ماكسويل بوجود الأمر بعد انتهاء الـ 180 يومًا، “في حال استمرار التحقيق وكان الأمر بحاجة إلى التجديد”.
حتى في الحالات التي لم يكن فيها القانون يتطلب السرية، طلبت النيابة العامة صمت جوجل. فقد تضمن خطاب يعود تاريخه إلى عام 2018، يوجه جوجل للحفاظ على جميع رسائل البريد الإلكتروني (بما في ذلك المسودات والمحذوفات) ومحتويات Google Drive المرتبطة بأربعة حسابات Gmail، طلبًا بأن لا تكشف جوجل عن وجود الخطاب لأي شخص، بما في ذلك أصحاب الحسابات. كما طلبت الرسالة من جوجل إخطار المدعين الفيدراليين إذا كانت الشركة تعتزم القيام بأي إفصاح، حتى يتمكن المدعون من “الحصول على أمر عدم إفصاح إذا لزم الأمر”.
من غير الواضح ما إذا كانت جوجل قد أعلمت أصحاب الحسابات بالرسائل الإلكترونية التي تم حجبها بعد انتهاء فترة الـ 180 يومًا المذكورة في خطاب عام 2019. وتفيد سياسة خصوصية وشروط الخدمة الخاصة بجوجل بأنه عند استلام طلب من وكالة حكومية، فإنها ترسل بريدًا إلكترونيًا إلى موضوع الطلب قبل الكشف عن المعلومات، ما لم يكن ذلك محظورًا بموجب القانون. هذه السياسة تضع جوجل في موقف حساس بين التزامها بالقوانين ومتطلبات الخصوصية.
العودة إلى الأساسيات: معلومات المشترك
يقول ماريو تروخيو، محامي أول في مؤسسة الحدود الإلكترونية (Electronic Frontier Foundation)، إن معلومات المشترك تتطلب أقل معيار قانوني للحكومة للوصول إليها بموجب قانون الاتصالات المخزنة (Stored Communications Act)، وهو قانون يعود تاريخه إلى الثمانينيات ويحدد العديد من القواعد بشأن أنواع المعلومات التي يمكن للحكومة الوصول إليها من مقدمي الخدمات الإلكترونية مثل جوجل.
وبينما تتطلب بعض أنواع المعلومات، مثل محتويات البريد الإلكتروني، أمر تفتيش بموجب القانون، “على الطرف الآخر من ذلك توجد معلومات المشترك الأساسية”، بحسب تروخيو. ويسمح القانون صراحة للحكومة بالحصول على تلك المعلومات بمجرد أمر استدعاء، والذي لا يتطلب بالضرورة موافقة قضائية. هذا التمييز القانوني بين أنواع المعلومات هو ما يمنح الحكومة وصولاً أسهل إلى بيانات التعريف الأساسية للمستخدمين، مقارنة بالمحتوى الفعلي لرسائلهم.
تواصل وزارة العدل الأمريكية إصدار وثائق تتعلق بقضية إبشتاين، ومن المتوقع أن يتم الكشف عن المزيد من التفاصيل في الأشهر القادمة. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الوثائق ستؤدي إلى تغييرات في سياسات حماية البيانات أو قوانين الخصوصية، وكيف ستظل شركات التكنولوجيا مثل جوجل تواجه الضغوط المتزايدة من الحكومات مع الحفاظ على ثقة مستخدميها.



