اختتمت محافظة الأحساء فعاليات “مهرجان البشت” في دورته الأخيرة، الذي استعرض إرث البشت كرمز وطني وثقافي، لا سيما بعد تسجيله رسميًا ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو. نجح المهرجان في إبراز رحلة تحول هذه الحرفة اليدوية الدقيقة إلى تراث عالمي، مقدمًا للزوار تجربة ثقافية غنية تمزج بين الأصالة والحداثة، وتعرفهم بأحد أبرز رموز الهوية الوطنية المرتبطة بجودة الأحساء ودقتها في الحياكة والتصميم.

مهرجان البشت: احتفاء بإرث الأحساء الثقافي

عكس المهرجان بشكل جلي عمق الصناعات التقليدية التي اشتهرت بها محافظة الأحساء منذ عصور قديمة. أبرزت الفعاليات المهارات المتوارثة عبر الأجيال في عائلات الأحساء، والتي تخصصت في حياكة البشوت، بدءًا من اختيار أجود الأقمشة ووصولًا إلى مراحل التطريز اليدوي المعقد والدقيق. استضافت ساحات قصر إبراهيم فعاليات متنوعة شملت ورش عمل حية، وأركانًا تعريفية، وتجارب تفاعلية هدفت إلى تعزيز المعرفة والاكتشاف لدى الزوار. أتاحت هذه البيئة التعليمية الممتعة للجمهور فرصة الاقتراب من أدوات الحرفة القديمة وكيفية تطبيق المهارات اليدوية.

في خطوة تهدف إلى تعزيز استدامة الهوية الوطنية، خصص المهرجان مساحات تفاعلية مهمة. شمل ذلك “بيت الدفة النسائية” الذي قام بالتعريف بالعباءة التقليدية، وركن “المعزب الصغير” الذي استهدف الأطفال. قدم هذا الركن جرعات مكثفة من المعرفة التراثية لهم من خلال عروض مسرح الظل، والقصص التراثية، والتدريب اليدوي، بهدف ضمان نقل شعلة التراث للأجيال الناشئة.

بعد دولي وتعزيز الحوار الحضاري

اكتسبت فعاليات “مهرجان البشت” بعدًا دوليًا لافتًا من خلال مشاركة منظمة اليونسكو وست دول شقيقة وصديقة. وقد حول هذا الحضور الدولي المهرجان إلى منصة فعالة لتعزيز الحوار الحضاري بين الثقافات المختلفة، وإبراز المشتركات الإنسانية في مجال الفنون الحرفية. ساهمت هذه المشاركات في إثراء التجربة الثقافية للمهرجان وتقديم رؤى متنوعة حول فنون الحياكة والتطريز.

شملت البرامج اليومية التي استمتع بها الزوار أوبريت “خيوط الذهب” وعروض “العرس الحساوي” التقليدي، إلى جانب الفنون الأدائية المتنوعة. كما تضمنت الفعاليات أمسيات شعرية وبرامج متخصصة تناولت “بروتوكول البشت” وأهميته في أناقة الهوية الوطنية. هذه البرامج المتنوعة قدمت صورة شاملة عن المكانة الثقافية والاجتماعية للبشت.

اختتمت الرحلة السردية للمهرجان باستخدام تقنيات العرض الحديثة وعروض الإسقاط الضوئي. قامت هذه التقنيات بتحويل جدران قصر إبراهيم إلى لوحات بصرية نابضة بالحياة، تروي حكاية البشت بلغة معاصرة. أسهمت هذه العروض في وضع التراث السعودي، ممثلاً في البشت، في مكانته الطبيعية كجزء لا يتجزأ من الخارطة الثقافية العالمية. تسعى هذه المبادرات إلى تعزيز الوعي بأهمية التراث غير المادي والمساهمة في الحفاظ عليه للأجيال القادمة.

من المتوقع أن تشهد محافظة الأحساء تنظيم فعاليات مماثلة في المستقبل، بهدف تعزيز مكانة الحرف التقليدية والمساهمة في تطوير السياحة الثقافية. ويترقب المهتمون والمتابعون أي توجهات جديدة نحو تطوير هذه الحرف وتسويقها عالميًا، خاصة في ظل الاعتراف الدولي الذي حصل عليه البشت. يتضمن ذلك دراسة الحلول الممكنة لضمان استمراريتها في ظل التحديات الاقتصادية والتكنولوجية المعاصرة.

شاركها.