في السنوات الأخيرة، أحدثت شركة “أوبن إيه آي” ثورة في مجال الذكاء الاصطناعي بابتكاراتها المتطورة. ويُعد نموذج “أو3” (o3) أحدث إنجازات الشركة، حيث أظهر تقدماً ملحوظاً في اختبار “إيه آر سي-إيه جي آي” (ARC-AGI)، مما يثير تساؤلات حول التقدم نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، وهو الهدف الذي تسعى “أوبن إيه آي” لتحقيقه.
تم الإعلان عن نموذج “أو3” في ديسمبر الماضي، وهو مخصص حاليًا للاختبارات الداخلية للسلامة بين الباحثين. وقد أظهر النموذج أداءً متفوقًا على مقياس “إيه آر سي” (ARC)، وهو معيار طوره فرانسوا شولت، الباحث المعروف في مجال الذكاء الاصطناعي ومبتكر إطار العمل “كيراس” (Keras). يهدف هذا المقياس إلى تقييم قدرة النماذج على التعامل مع مهام جديدة بذكاء، مما يجعله أداة حيوية لتقييم التقدم نحو أنظمة ذكاء اصطناعي حقيقية.
فجر جديد في تطوير الذكاء الاصطناعي
يأتي هذا التقدم في وقت شهد فيه مجال الذكاء الاصطناعي مراجعات كبيرة في نهاية عام 2024، حيث أعرب بعض الخبراء عن مخاوفهم بشأن تباطؤ وتيرة التقدم. ومع ذلك، فإن نموذج “أو3” يمثل موجة جديدة من الحماس، مؤكدًا أن الابتكارات الكبرى لا تزال ممكنة في عام 2025 وما بعده. يتعامل النموذج مع تحديات رئيسية في مجالي الاستدلال والتكيف، وهما مشكلتان لطالما أعاقت تقدم النماذج الكبيرة، ولكنه يكشف أيضًا عن تحديات جديدة تتعلق بالتكاليف العالية والكفاءة.
ميزات نموذج “أو3” المبتكرة
يتميز نموذج “أو3” بعدة قدرات جديدة، أبرزها “توليف البرامج”. تسمح هذه الميزة للنموذج بإعادة تكوين ما تعلمه أثناء التدريب المسبق، مثل الأنماط والخوارزميات، في تكوينات جديدة تمامًا. وهذا يمكن النموذج من معالجة مهام لم يواجهها بشكل مباشر أثناء التدريب، مثل حل تحديات برمجية متقدمة أو التعامل مع ألغاز منطقية جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، يعتمد “أو3” على سلاسل التفكير (Chains of Thought, CoTs) وعملية بحث متقدمة أثناء الاستدلال. تُعد سلاسل التفكير تعليمات تدريجية مكتوبة بلغة طبيعية يستخدمها النموذج لاستكشاف الحلول بفعالية. وباستخدام نموذج تقييم، يمكن لـ “أو3” توليد وتقييم مسارات حلول متعددة لاختيار الخيار الأنسب.
يعمل “أو3” أيضًا كقاضٍ على تفكيره الخاص من خلال نموذج المقيّم المدمج، مما يجعله أقرب إلى القدرة على التفكير الحقيقي. كما أن قدرته على تنفيذ برامج سلاسل التفكير (CoTs) كأدوات لحل المشكلات التكيفية هي ميزة بارزة. تقليديًا، كانت سلاسل التفكير مجرد أطر تفكير منظمة، ولكن “أوبن إيه آي” وسعت هذا المفهوم، مستغلة هذه السلاسل ككتل بناء قابلة لإعادة الاستخدام.
الأداء والتكلفة: التحديات القائمة
على الرغم من الأداء المثير للإعجاب، لا تزال تكلفة تشغيل “أو3” في معيار “إيه آر سي-إيه جي آي” مرتفعة. في التكوين منخفض الحوسبة، يكلف النموذج حوالي 17 إلى 20 دولارًا و33 مليون وحدة نصية “توكن” (Token) لكل لغز. أما في التكوين عالي الحوسبة، فتزداد التكلفة بشكل كبير. يشير شولت وخبراء آخرون إلى أن هذه التكلفة المرتفعة تمثل تحديًا كبيرًا للنموذج عند تطبيقه في بيئات عملية.
يشير بعض الخبراء إلى أن “أو3” قد لا يزال يفشل في بعض المهام السهلة جدًا، مما يدل على اختلافات أساسية مع الذكاء البشري. كما أنه لا يمكنه تعلم هذه المهارات بشكل مستقل، ويعتمد على المراجعين الخارجيين وسلاسل التفكير المعلمة بشريًا. هذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه النماذج تمتلك نوع التجريد والتفكير الذي تم إنشاء معيار “إيه آر سي” لقياسه.
مستقبل الذكاء الاصطناعي والتفكير الآلي
يُعد نموذج “أو3” خطوة مهمة في تطوير الذكاء الاصطناعي، ولكنه ليس نهاية المطاف. لا تزال هناك تحديات كبيرة يجب التغلب عليها، بما في ذلك خفض التكاليف وتحسين الكفاءة. من المتوقع أن تركز الأبحاث المستقبلية على تطوير نماذج أكثر فعالية من حيث التكلفة وقادرة على التكيف مع مجموعة واسعة من المهام. كما أن تطوير نماذج قادرة على التفكير بشكل مستقل، دون الاعتماد على التدريب البشري، يمثل هدفًا رئيسيًا للباحثين في هذا المجال. يجب مراقبة التطورات في مجال التعلم الآلي وتقييم تأثيرها على مختلف الصناعات والتطبيقات.
في الختام، يمثل نموذج “أو3” تقدمًا واعدًا في مجال الذكاء الاصطناعي، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات مهمة حول مستقبل هذا المجال. من المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة المزيد من الابتكارات والتطورات، مما سيؤدي إلى تغيير الطريقة التي نتفاعل بها مع التكنولوجيا.






