بينما تتصاعد حدة المواجهات الإقليمية وتتأجج جبهات الصراع بمشاركة حلفاء طهران في عدة دول، تتجه الأنظار نحو الدور المتزايد لبكين وموسكو كقوتين استراتيجيتين في حماية النفوذ الإيراني. تبدو الصين وروسيا، على الرغم من بعدهما الجغرافي، أقرب إلى إيران استراتيجياً، مع تساؤلات ملحة حول طبيعة الدعم الذي تقدمانه لطهران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتصاعدة.
تشير المعطيات إلى أن الصين، في واجهة المشهد، تلعب دوراً حذراً يركز على المصالح الاقتصادية. فمنذ بدء التصعيد، التزمت بكين بالإدانات الدبلوماسية للضربات الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدة على احترام سيادة الدول ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، يكمن شريان حياة اقتصادي حيوي، حيث أفادت تقارير بوجود تفاهمات صينية-إيرانية تضمن استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، متحدية بذلك العقوبات المفروضة.
الدور الصيني: شريان الحياة الاقتصادي والتقني
تتجاوز العلاقات الصينية-الإيرانية مجرد التبادل التجاري التقليدي، فقد كشفت معطيات استخباراتية أمريكية عن تعاون تقني متنامٍ. وتفيد التقارير بأن شركات صينية، مثل “SMIC”، تقوم بتزويد جهات مرتبطة بالجيش الإيراني بمعدات دقيقة لتصنيع “الرقائق الإلكترونية”. هذا التطور، الذي تعتبره واشنطن دعماً تقنياً مباشراً، يعزز القدرات الدفاعية لطهران تحت غطاء مدني.
ينظر إلى الدعم التقني الصيني على أنه شريان حياة أساسي لإيران، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على قطاعها التكنولوجي. وتثير هذه الصفقات قلقاً متزايداً في الأوساط الغربية، التي ترى فيها تجاوزاً للقيود المفروضة وسعياً لتمكين طهران من تطوير قدراتها الدفاعية.
الدور الروسي: شراكة ميدانية متنامية
على النقيض من الحذر الصيني، تبدو روسيا شريكاً ميدانياً أكثر التصاقاً بالاحتياجات العسكرية لإيران. ويتجلى هذا التعاون بشكل خاص في ملف الطائرات المسيّرة، التي أصبحت ركيزة أساسية في الحرب الأوكرانية، وتُعتقد أن إيران تلعب دوراً في تزويد روسيا بها.
رغم نفي الكرملين القاطع لما ورد في بعض الصحف العالمية حول تزويد إيران ببيانات أقمار اصطناعية أو استخباراتية لتسهيل استهداف المصالح الأمريكية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تكامل مصالح غير مسبوق بين البلدين. موسكو، التي تخوض حرب استنزاف في أوكرانيا، تجد في طهران حليفاً استراتيجياً لمواجهة الهيمنة الغربية، من خلال مشاريع ربط الموانئ وتعزيز استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية بين دول تكتلات مثل “بريكس” و”شنغهاي”، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
تُشير المصادر إلى أن التعاون العسكري الروسي-الإيراني يتجاوز تبادل التكنولوجيا ليشمل تدريب وتطوير القدرات. وهذا التحالف المتنامي يعزز من مواقف البلدين في مواجهة الضغوط الغربية، ويشكل تحدياً للنظام الدولي القائم.
الخطوط الحمراء والتوقعات المستقبلية
على الرغم من هذا التقارب الاستراتيجي، يظل الانخراط المباشر في أي حرب خطاً أحمر لكل من بكين وموسكو. فالصين لا ترغب في تعريض استثماراتها العالمية للخطر من خلال الدخول في صدام عسكري مباشر، في حين تبدو روسيا مثقلة بالأعباء الاقتصادية والعسكرية المتعلقة بالجبهة الأوكرانية.
وبالتالي، فإن الدعم المقدم لطهران، حتى الآن، يقتصر على الأطر السياسية والتقنية والاستخباراتية غير المعلنة. ومع استمرار تصاعد التوترات الإقليمية، سيكون من الضروري مراقبة التطورات في هذه العلاقات الاستراتيجية، ومدى قدرة الصين وروسيا على مواصلة تقديم الدعم لإيران دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع.
من المتوقع أن تستمر الصين في تركيزها على المصالح الاقتصادية، مع تعميق التعاون التقني بشكل تدريجي، بينما ستواصل روسيا سعيها لتعزيز التحالفات الاستراتيجية لمواجهة التحديات الغربية. يبقى المستقبل مرهوناً بتطورات المشهد الأمني الإقليمي وقدرة هذه القوى على التكيف مع التحديات المتغيرة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين دعم حلفائها وسياساتها الاستراتيجية.






