لطالما انتشرت فكرة شائعة في الأوساط العامة ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في بعض دوائر ما يسمى بـ”الطب البديل”، مفادها أن الأطباء يركزون على معالجة أعراض الأمراض بدلاً من البحث عن أسبابها الجذرية. هذه الفكرة، وإن بدت بسيطة وجذابة، تعكس في كثير من الأحيان إحباط المرضى، خاصةً أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. لكن هل هذا الادعاء صحيح؟ يتطلب الإجابة على هذا السؤال تجاوز الشعارات وتبني نظرة أكثر دقة حول مفهوم “الأسباب الجذرية” في الطب وكيفية عمل الممارسة الطبية الحديثة.
هل علاج الأعراض إهمالاً للأسباب الجذرية؟
الزعم بأن الطب يضطر للاختيار بين علاج الأعراض وعلاج الأسباب هو تبسيط مخلّ. في الواقع، يهدف الطب السريري إلى تحقيق أهداف متعددة في آن واحد: تخفيف المعاناة، ومنع المضاعفات، وعكس الآليات المرضية إن أمكن، وتعديل عوامل الخطر على المدى الطويل. إن تخفيف الأعراض ليس بالضرورة فشلاً، بل قد يكون إجراءً منقذاً للحياة في حالات الطوارئ.
الحالات الحرجة مثل الصدمة، ونوبات الربو الحادة، والالتهابات الشديدة، والحماض الكيتوني السكري، وفشل القلب لا تسمح بالنقاش الفلسفي حول “السبب الرئيسي” للمرض. الأولوية القصوى في هذه الحالات هي استقرار حالة المريض وتوفير الرعاية العاجلة. ومع ذلك، لا يتوقف الطب عند هذا الحد، بل يسعى باستمرار لفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الحالات.
متى يعالج الطب السبب مباشرة؟
في العديد من الحالات، يستهدف الطب الحديث أسباب الأمراض بدقة عالية. على سبيل المثال، تعالج الالتهابات البكتيرية بالمضادات الحيوية التي تقضي على العامل المسبب. كما أن الأمراض الهرمونية، مثل قصور الغدة الدرقية، تعالج بتعويض الهرمون الناقص. وبالمثل، يتم تصحيح نقص الفيتامينات من خلال إعادة تزويد الجسم بالعناصر الغذائية المفقودة.
تعتمد العلاجات الحديثة أيضاً على تعديل آليات الجهاز المناعي في الأمراض المناعية الذاتية، واستهداف الخلايا السرطانية بالجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو العلاج المناعي. وصف هذه التدخلات بأنها “علاج للأعراض فقط” هو وصف غير دقيق، فهي تتدخل في صميم العمليات البيولوجية للمرض.
الأمراض المزمنة: تعقيد البحث عن الأسباب الجذرية
يزداد الجدل حول علاج الأسباب الجذرية بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالأمراض المزمنة مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات المناعة الذاتية، والعديد من الاضطرابات النفسية. يرى البعض أن الأطباء يصفون أدوية مدى الحياة دون معالجة “السبب الحقيقي” للمرض.
لكن هذا النقد يتجاهل حقيقة أساسية: العديد من الأمراض المزمنة لا تنشأ من سبب واحد بسيط يمكن استئصاله. بل هي نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والتعرضات المبكرة في الحياة، وأنماط العيش، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتقدم في العمر، والعوامل البيئية. هذا التعقيد يجعل تحديد “سبب جذري” واحد أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
الطب لا يتجاهل الأسباب، بل يتعامل مع الواقع
لا يمارس الطب في فراغ نظري، بل يتعامل مع الواقع البيولوجي والاجتماعي والإنساني المعقد. قد لا يكون من الممكن إزالة السبب الجذري للمرض بشكل كامل، ولكن يمكن للأطباء التحكم في عوامل الخطر، وتعديل نمط الحياة، وتقديم العلاج الوقائي، وإدارة الأعراض بفعالية. هذا النهج الشامل يهدف إلى تحسين نوعية حياة المريض ومنع المضاعفات.
إن التركيز على إدارة الأعراض لا يعني إهمال البحث عن الأسباب الكامنة. بل على العكس، فإن فهم آليات المرض يساعد الأطباء على تطوير علاجات أكثر استهدافاً وفعالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأطباء يلعبون دوراً هاماً في التثقيف الصحي وتوعية المرضى بأهمية اتباع نمط حياة صحي.
نظرة مستقبلية
مع استمرار التقدم في البحث العلمي، من المتوقع أن يتم اكتشاف المزيد من الأسباب الكامنة وراء الأمراض المزمنة وتطوير علاجات جديدة تستهدف هذه الأسباب بشكل أكثر دقة. ومع ذلك، من المهم أن ندرك أن الطب لن يتمكن أبداً من القضاء على جميع الأمراض. إن الهدف الواقعي هو تحسين صحة الإنسان وإطالة عمره، حتى في ظل وجود الأمراض المزمنة. يجب على المرضى والأطباء العمل معاً كفريق واحد لتحقيق هذا الهدف، مع التركيز على الوقاية والإدارة الفعالة للأمراض.






