أظهر استطلاع جديد لشركة يوغوف أن هناك دعمًا متزايدًا في العديد من الدول الأوروبية الكبرى لاستخدام الأموال الروسية المجمدة لتقديم دعم مالي لأوكرانيا، وذلك في خضم النقاشات الدائرة حول تمويل كييف وسط استمرار الحرب. يأتي هذا الاستطلاع قبل القمة الأوروبية الحاسمة، حيث سيقرر قادة الاتحاد الأوروبي كيفية تخصيص الموارد المالية لدعم أوكرانيا، ويكشف عن اختلافات ملحوظة بين الدول الأعضاء.
أفاد الاستطلاع أن أغلبية المستجيبين في بريطانيا وبولندا وألمانيا وإسبانيا يؤيدون استخدام الأصول الروسية المجمدة في الحسابات المصرفية الأوروبية لتمويل المزيد من المساعدات لأوكرانيا. ومع ذلك، تبرز إيطاليا كاستثناء، حيث انقسم الإيطاليون بشكل كبير حول هذه القضية، مع تأييد 39% ومعارضة 38% لها.
الدعم المالي لأوكرانيا: وجهات نظر متباينة في أوروبا
يعكس هذا الانقسام الإيطالي، وفقًا للخبراء، “كسرًا أعمق في المشهد السياسي” الإيطالي، وتحديدًا التوتر بين الفصيل “المؤيد لأوكرانيا” داخل حكومة جورجيا ميلوني فيما يتعلق بالأمن، والجزء الآخر من الائتلاف الحاكم بقيادة ماتيو سالفيني، الذي يميل تقليديًا إلى التعاطف مع روسيا ويدعو إلى تبني مواقف معارضة للاتحاد الأوروبي. صرح ألبيرتو أليمانو، أستاذ قانون وسياسة الاتحاد الأوروبي بجامعة HEC باريس، بأن هذا الموقف يعرض “الوضع المتردد لإيطاليا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تحاول أن تكون لاعبًا رئيسيًا على طاولة المفاوضات مع الحفاظ على روايات سياسية داخلية غالبًا ما تكون متشككة في أوروبا”.
تواجه العديد من الاقتصادات الأوروبية الرئيسية ضغوطًا مالية وديونًا متراكمة، مما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن طرق لتمويل دفاع أوكرانيا باستخدام حوالي 210 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي التي تم تجميدها بموجب العقوبات الأوروبية منذ فبراير 2022. تعتبر هذه الأصول مصدرًا محتملاً للدعم المالي طويل الأمد.
وشددت المفوضية الأوروبية على ضرورة موافقة بلجيكا على خطة “قرض تعويضات غير مسبوق” لأوكرانيا، وهو الأمر الذي يثير قلق الحكومة البلجيكية، حيث يتم الاحتفاظ بنحو 185 مليار يورو من هذه الأصول في Euroclear، وهي مؤسسة إيداع للأوراق المالية مقرها بروكسل. تطلب بلجيكا ضمانات من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي لتغطية أي خسائر مالية محتملة في حالة رفع روسيا دعوى قضائية ناجحة ضد بلجيكا بشأن هذه الخطة.
وقد سعت المفوضية الأوروبية إلى تهدئة مخاوف بلجيكا من خلال تقديم مجموعة من الضمانات والإجراءات الاحترازية لإبطال أي محاولة للتحكيم. وفي محاولة لمنع حدوث أزمة سيولة مفاجئة، قام الاتحاد الأوروبي بتجميد الأصول الروسية إلى أجل غير مسمى.
إلا أن إيطاليا وبلغاريا وجمهورية التشيك ومالطا انضمت إلى بلجيكا يوم الجمعة في إصدار إعلان مشترك يدعو المفوضية الأوروبية إلى استكشاف “حلول بديلة” ذات “معايير يمكن التنبؤ بها” و”مخاطر أقل بكثير”. وتجميد إيطاليا لحوالي 2.3 مليار يورو من أصول الأوليغارشية الروسية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وفقًا لبيانات قدمتها السلطات الإيطالية.
مخاوف إيطاليا من التداعيات الاقتصادية
يقول أليمانو إن “العديد من الإيطاليين يرون أن اقتصادهم معرض بشكل خاص للاضطرابات في مجال الطاقة والإجراءات الانتقامية، مما يجعلهم أكثر نفورًا من المخاطرة مقارنة بالدول الأوروبية الشمالية ذات الهياكل الاقتصادية ومزيج الطاقة المختلفة”. ويضيف أن هناك أيضًا “قلقًا بشأن مخاطر وضع سابقة لاستخدام الأدوات المالية كأسلحة بطرق قد تقوض المصالح الاقتصادية الأوروبية والقواعد القانونية”. تتراوح المخاوف بين تأثير العقوبات على الشركات الإيطالية وإمكانية رد فعل روسي على أي تحرك من هذا القبيل.
على الرغم من هذه التحديات المالية، تواصل معظم الدول الأوروبية المذكورة دعمها لتقديم المساعدة المالية لأوكرانيا في ظل استمرار الغزو الروسي. أظهر الاستطلاع أن غالبية المواطنين في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وبولندا وإسبانيا يعتقدون أنه من الصواب تقديم الدعم المالي لأوكرانيا، حيث تتراوح نسبة التأييد بين 73% و50%.
في المقابل، ظل الإيطاليون منقسمين مرة أخرى في آرائهم، حيث أيد 44% منهم هذه المساعدة وعارضها 34%. ويفسر أليمانو ذلك بأنه “يترجم إلى دعم للمبادئ المجردة للسيادة مع التشكيك في التكاليف الملموسة للالتزام المالي المستمر، خاصة عندما يواجه المواطنون الإيطاليون – مثل أي مواطن أوروبي آخر – تكاليف اقتصادية خاصة بهم”.
هناك أيضًا اختلاف في الرأي داخل كل دولة بشأن ما إذا كانت مستوى الدعم المقدم لأوكرانيا “قليلًا جدًا” أو “كثيرًا جدًا” أو “مناسبًا”. تعتبر ألمانيا من بين خمس دول في الاتحاد الأوروبي لديها نسبة أعلى من المستجيبين الذين يعتقدون أن الدعم المقدم مبالغ فيه، حيث بلغت النسبة 34%، في حين أن 36% في بولندا يعتقدون أنه مناسب.
أما فيما يتعلق بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تسعى روسيا إلى منع انضمام أوكرانيا إلى الحلف إلى الأبد، في حين أن أوروبا لا ترفض ذلك بشكل قاطع. أظهر الاستطلاع أن الإسبان هم الأكثر تأييدًا لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، في حين أن الآخرين يدعمون ذلك بهوامش أضيق، حيث تتراوح نسبة التأييد بين 42% و47%. تعتبر قضية توسع الناتو من القضايا الشائكة التي تثير مخاوف روسيا الأمنية.
من المتوقع أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي الخطة النهائية لتمويل أوكرانيا خلال القمة القادمة. لا يزال شكل هذا التمويل، ومصدره (بما في ذلك استخدام الأصول الروسية المجمدة)، ومستوى الدعم الذي سيحصل عليه كل بلد من دول الاتحاد الأوروبي محل نقاش. ينبغي مراقبة موقف إيطاليا عن كثب، حيث يمكن أن يؤثر بشكل كبير على نتيجة النقاشات. كما يجب الانتباه إلى أي تطورات قانونية تتعلق بالدعاوى القضائية التي رفعتها روسيا ضد بلجيكا بشأن تجميد أصولها.






