شهدت العاصمة الأوكرانية كييف تطورات دراماتيكية في نهاية الأسبوع الماضي، حيث نفذت أجهزة الأمن مداهمات واسعة النطاق استهدفت رجال أعمال بارزين، أبرزهم الملياردير إيهور كولومويسكي. هذه المداهمات، التي جاءت في إطار تحقيق في قضايا فساد مالي، تحمل تداعيات كبيرة على المشهد السياسي الداخلي والأوكراني، وعلى مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
أكد جهاز الأمن الأوكراني (SBU) أن عمليات التفتيش تركز على شبهات فساد تتعلق بشركتي “أوكرنافتا” و”أوكرتاتنافتا” النفطيتين، وهما من بين أكبر الشركات في هذا القطاع بأوكرانيا. وتشمل الاتهامات اختلاس أموال عامة تقدر بنحو مليار دولار أمريكي، والتلاعب بالرسوم الجمركية. وتأتي هذه الإجراءات في وقت حرج تشهد فيه أوكرانيا حرباً مستمرة وتتطلع إلى دعم دولي متزايد.
من هو إيهور كولومويسكي وأهمية التحقيق في فساد الأوليغارشية؟
يعتبر إيهور كولومويسكي شخصية مؤثرة في الاقتصاد الأوكراني لعقود. وقد جمع ثروته من خلال الاستثمار في قطاعات متعددة، بما في ذلك النفط والتعدين والبنوك. ويشتهر كولومويسكي بدعمه المالي والإعلامي للرئيس فولوديمير زيلينسكي خلال حملته الانتخابية عام 2019، حيث ساهمت القناة التلفزيونية التي يمتلكها بشكل كبير في صعود زيلينسكي إلى الرئاسة.
تاريخ العلاقات بين كولومويسكي وزيلينسكي
ساهمت القناة التلفزيونية التي يمتلكها كولومويسكي في بث مسلسل “خادم الشعب”، الذي لعب زيلينسكي دور البطولة فيه، وهو ما ساهم في بناء صورته كزعيم محتمل. ومع ذلك، تدهورت العلاقة بين الاثنين بعد تأميم “بريفات بنك”، الذي كان كولومويسكي يمتلك حصة كبيرة فيه، على خلفية اتهامات بإدارة غير سليمة أدت إلى ثغرات مالية. وفي خطوة مفاجئة قبل المداهمة مباشرة، جردت السلطات الأوكرانية كولومويسكي من الجنسية الأوكرانية، مما أثار تساؤلات حول التوقيت والدوافع.
الدوافع السياسية والاقتصادية وراء استهداف كولومويسكي
يأتي هذا التحقيق المتسارع في سياق جهود أوكرانيا المتواصلة لمكافحة الفساد، كشرط أساسي للحصول على دعم مالي وسياسي أكبر من الغرب، وخاصةً من الاتحاد الأوروبي. وتعتبر مكافحة الفساد أحد أهم المعايير التي تضعها بروكسل لتقييم طلبات العضوية، وأوكرانيا حريصة على إظهار التزامها بهذا المعيار.
بالإضافة إلى ذلك، يهدف هذا الإجراء إلى إرسال رسالة قوية إلى الأوليغارشية الأوكرانية بأن زمن الحصانة قد انتهى. فقد أدى نفوذ هؤلاء الأثرياء إلى إعاقة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في البلاد لسنوات طويلة. وتعتبر هذه المداهمات بمثابة إشارة إلى أن الحكومة عازمة على تقليل نفوذهم وتعزيز سيادة القانون.
تأثير المداهمات على الدعم الغربي لأوكرانيا
تولي الدول الغربية اهتماماً كبيراً بمسألة الفساد في أوكرانيا. فهي تخشى من أن الأموال التي تقدمها كدعم قد تذهب في جيوب المسؤولين الفاسدين بدلاً من أن تساهم في جهود الحرب والإصلاح. ومن خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد كولومويسكي، تسعى الحكومة الأوكرانية إلى طمأنة حلفائها الغربيين بأنها جادة في مكافحة الفساد وأنها قادرة على ضمان وصول المساعدات إلى وجهتها الصحيحة.
التداعيات المحتملة على الساحة المحلية والإقليمية
على الصعيد المحلي، من المتوقع أن تساهم هذه الخطوة في تعزيز ثقة المواطنين بالحكومة. ففي ظل الحرب المستمرة، يبحث الأوكرانيون عن علامات تدل على أن دولتهم قوية وقادرة على حكم نفسها بنزاهة وشفافية. أما على الصعيد الإقليمي، فمن شأن تقليل نفوذ الأوليغارشية أن يساهم في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في أوكرانيا، وهو ما يصب في مصلحة الأمن الإقليمي.
ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تواجه الحكومة الأوكرانية في جهودها لمكافحة الفساد. فقد تجد صعوبة في جمع الأدلة الكافية لإدانة كولومويسكي وبقية المتهمين، وقد تواجه معارضة من داخل النظام السياسي نفسه. بالنظر إلى التقارير، من المرجح أن تستمر التحقيقات مع كولومويسكي، وقد تواجه تمديدات أو تعقيدات إضافية. من المهم مراقبة مسار هذه القضية وما إذا كانت ستؤدي إلى إصلاحات حقيقية في النظام الأوكراني.


