شهدت مدينة جيسن الألمانية مواجهات واسعة النطاق يوم السبت بين الشرطة ومتظاهرين ينتمون إلى جماعة أنتي فافا المتطرفة، مما أدى إلى تأخير انطلاق مؤتمر منظمة “جيل ألمانيا” (Generation Deutschland)، وهي الذراع الشبابي لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني الشعبوي. وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق تصاعد التوترات السياسية في ألمانيا، وتعد بمثابة إشارة إلى الانقسامات العميقة حول قضايا الهجرة والسياسة اليمينية المتطرفة، وتعتبر أنتي فافا (Antifa) منظمة مثيرة للجدل، وقد صنفتها السلطات في بعض الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، كمنظمة إرهابية محلية.

وقدرت الشرطة أعداد المتظاهرين بين 25 ألفًا و30 ألفًا، الأمر الذي استدعى نشر قوة أمنية ضخمة بلغت 6 آلاف ضابط، وهي الأكبر من نوعها في تاريخ ولاية هسن الألمانية. وقد تصاعدت الاحتجاجات إلى اشتباكات، حيث استخدمت الشرطة رذاذ الفلفل وقنابل المياه لتفريق المحتجين الذين حاولوا إعاقة وصول المشاركين إلى مركز المؤتمرات.

تصاعد التوتر السياسي واحتجاجات أنتي فافا

انتقدت أليس فايدل، إحدى قيادات حزب البديل من أجل ألمانيا، بشدة المتظاهرين، واصفة إياهم بأنهم “غير ديمقراطيين” و”متطرفون”. وأضافت أن محاولات منع انعقاد المؤتمر تمثل اعتداءً على حرية التعبير والتجمع السلمي.

وتأتي هذه الأحداث بعد تصريح سابق لوزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف عناصر من أنتي فافا كمنظمات إرهابية أجنبية في أوروبا، في خطوة نادرة تعكس قلق واشنطن بشأن العنف السياسي الذي تتورط فيه هذه الجماعة. ويأتي هذا التصعيد في ظل مخاوف متزايدة بشأن تأثير الجماعات المتطرفة على المشهد السياسي في ألمانيا ودول أوروبية أخرى.

ردود فعل على الاحتجاجات

وعبر بوريس راين، حاكم ولاية هسن، عن إدانته للهجمات على الشرطة ومحاولات عرقلة فعالية حزب البديل من أجل ألمانيا. وأكد أن استخدام العنف ومحاولة منع التجمعات السلمية أمر غير مقبول على الإطلاق. وقال راين إن “الدولة تحمي الحق في التجمع السلمي للجميع، بغض النظر عن آرائهم السياسية”.

إضافةً إلى ذلك، أثار هذا الحادث نقاشًا واسعًا حول دور وسائل الإعلام في تغطية الأحداث السياسية، حيث انتقد البعض تحيز وسائل الإعلام الألمانية تجاه اليسار. وصرح ريتشارد غرينيل، السفير الأمريكي السابق في ألمانيا، عبر منصة “إكس” بأن “اليسار المتطرف غير المتسامح والعنيف يكتسب نفوذاً في ألمانيا”.

في سياق آخر، حقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج انتخابية ملفتة في فبراير الماضي، حيث حصل على 20.8% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان الألماني. لكن الأحزاب الألمانية التقليدية رفضت حتى الآن تشكيل تحالف حكومي مع حزب البديل من أجل ألمانيا، بسبب مواقفه التي تعتبرها متطرفة.

صعود الشعبوية اليمينية في ألمانيا

تم انتخاب جان-باسكال هوهم، البالغ من العمر 28 عامًا، رئيسًا للجيل الألماني، وهو ما أثار جدلاً إضافيًا. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “دير فيلت” الألمانية، فقد عبر هوهم في تقارير استخباراتية محلية عن آراء معادية للمهاجرين وقومية.

وقد أكد هوهم في بداية المؤتمر أنهم “سيكافحون بكل حزم من أجل تحول حقيقي في سياسة الهجرة يضمن بقاء ألمانيا وطنًا للألمان”. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس الخطاب الرئيسي لحزب البديل من أجل ألمانيا، والذي يركز على الحد من الهجرة وتعزيز الهوية الوطنية.

تم إنشاء “جيل ألمانيا” بعد أن صنفت وكالة الاستخبارات الفيدرالية الألمانية الفصل السابق لحزب البديل من أجل ألمانيا، والمعروف باسم “الجيل الشاب” (Young Alternative)، كـ “منظمة متطرفة” في عام 2023، مما أدى إلى حلها. ويشير هذا إلى سعي الحزب إلى إعادة تنظيم فاعليات الشباب الخاصة به، مع الحرص على تجنب التصنيفات الرسمية التي قد تعيق أنشطته.

ويستمد حزب البديل من أجل ألمانيا شعبيته من تصويره نفسه كقوة معارضة للمؤسسة السياسية، في وقت يشهد فيه الثقة في السياسيين مستويات منخفضة. وقد نجح الحزب في استغلال حالة الاستياء الشعبي من قضايا مثل الهجرة والاقتصاد، مما ساهم في صعوده السريع في الانتخابات.

من المتوقع أن تقوم السلطات الألمانية بمراجعة وتقييم مستمر للوضع الأمني والسياسي في أعقاب هذه الاحتجاجات. وستراقب عن كثب أنشطة حزب البديل من أجل ألمانيا والجيل الألماني، بالإضافة إلى تحركات جماعة أنتي فافا. من غير الواضح في الوقت الحالي ما إذا كانت هذه الأحداث ستؤدي إلى تغييرات في السياسات الحكومية المتعلقة بالهجرة أو مكافحة التطرف، لكنها تؤكد على الحاجة إلى حوار مفتوح ومعالجة الأسباب الجذرية للانقسامات السياسية في ألمانيا. وستظل قضايا الهجرة و صعود اليمين المتطرف و ردود الفعل المناوئة من مجموعات مثل أنتي فافا قضايا رئيسية في السياسة الألمانية في الأشهر المقبلة.

شاركها.