أعادت التطورات الأخيرة في اليمن والتوتر المتصاعد بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، قضية انفصال جنوب اليمن إلى الواجهة، وكشفت عن تحديات جدية قد تزعزع وحدة اليمن التي تحققت عام 1990. تفاقمت الأزمة مع سيطرة المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، وتصاعدت المخاوف من تقسيم البلاد وتأثير ذلك على الأمن الإقليمي. فما جذور هذه القضية وما الذي أعاد مطالب الانفصال إلى الواجهة من جديد؟
تصاعدت حدة التوتر في الأيام القليلة الماضية في محافظتي حضرموت والمهرة، إثر سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة. وشهدت هذه التطورات ردود فعل قوية من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي اتهمت المجلس الانتقالي بالخروج عن الشرعية وتقويض جهود السلام. تشمل هذه الأحداث الأخيرة فرض حظر جوي وبري، وإعلان حالة الطوارئ، ومطالبات بسحب القوات الإماراتية المتواجدة في البلاد.
ما قبل الدولة
لم يكن اليمن طوال تاريخه دولة موحدة بالمعنى الحديث. شهدت المنطقة في القرن التاسع عشر انقسامات واضحة، مع سيطرة بريطانيا على عدن والمناطق الجنوبية، بينما خضعت المناطق الشمالية لحكم الدولة العثمانية. هذا الانقسام الجغرافي والسياسي أرسى أسسًا لتمايزات إقليمية وثقافية استمرت لعقود.
استمر هذا الوضع حتى الحرب العالمية الأولى، عندما انسحبت القوات العثمانية من شمال اليمن، مما أتاح الفرصة للإمام يحيى حميد الدين لتأسيس المملكة المتوكلية اليمنية. في المقابل، ظلت المناطق الجنوبية تحت الحكم البريطاني، مما زاد من تعميق الانقسام بين الشطرين.
في عام 1967، نال جنوب اليمن استقلاله بعد معركة طويلة ضد الاستعمار البريطاني، وأُعلنت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي تبنت نظامًا اشتراكيًا وتوجهت نحو الاتحاد السوفيتي. في حين بقي الشمال تحت حكم الإمامة حتى ثورة عام 1962 التي أدت إلى قيام الجمهورية العربية اليمنية.
إعلان الوحدة 1990
طوال الثمانينيات، سعت القيادتان في الشمال والجنوب إلى تحقيق الوحدة، لكن المحادثات باءت بالفشل بسبب الخلافات حول شكل الدولة ومشاركة السلطة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتغيير الأوضاع الإقليمية، تسارعت وتيرة المفاوضات بين الطرفين.
في 22 مايو/أيار 1990، تم إعلان الوحدة بين شطري اليمن رسميًا، وتأسست الجمهورية اليمنية. شغل علي عبد الله صالح منصب رئيس الجمهورية، بينما أصبح علي سالم البيض نائبه. عقدت آمال كبيرة على نجاح هذه الوحدة في تحقيق الاستقرار والتنمية لليمن.
لكن هذه الوحدة لم تدم طويلاً، إذ اندلعت حرب أهلية في عام 1994، بسبب الخلافات حول توزيع السلطة وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. انتهت الحرب بانتصار قوات الحكومة الشمالية وهزيمة الجنوبيين، مما أدى إلى تهميش الجنوبيين وتفاقم المشاعر الانفصالية.
الحراك الجنوبي وتصاعد المطالب بالانفصال
بعد الحرب الأهلية، واصل الجنوبيون المطالبة بحقوقهم ومساواتهم، لكنهم شعروا بالتهميش والإقصاء من قبل الحكومة المركزية في صنعاء. مع بداية الألفية الجديدة، بدأ يظهر “الحراك الجنوبي” كمجموعة من الحركات المطالبة بحكم ذاتي أوسع للمناطق الجنوبية، وصولًا إلى الانفصال.
شهدت السنوات التالية مظاهرات واحتجاجات واسعة النطاق في جنوب اليمن، تطالب باستعادة دولة الجنوب. وتصاعدت حدة التوتر بين الحكومة اليمنية والحراك الجنوبي، مما أدى إلى اشتباكات متفرقة بين الطرفين.
وفي ظل الأوضاع المضطربة التي شهدها اليمن بعد عام 2011، تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات من السيطرة على مناطق واسعة في جنوب اليمن، وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية كبيرة. تعتبر قضية جنوب اليمن معقدة، وتتعلق بمجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
المجلس الانتقالي الجنوبي وتطورات الأحداث الأخيرة
أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر 2023 عن سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، مما أثار ردود فعل غاضبة من الحكومة اليمنية. وفي رد فعل سريع، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قرارات قاسية ضد المجلس الانتقالي، بما في ذلك فرض حظر طيران وإعلان حالة الطوارئ. يأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه اليمن صراعًا معقدًا يشمل أطرافًا إقليمية ودولية مختلفة.
تتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا التصعيد إلى تقسيم اليمن رسميًا، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتوسيع نطاق العنف وعدم الاستقرار في المنطقة. تشكل هذه التطورات تهديدًا لجهود تحقيق السلام في اليمن، وربما تؤدي إلى اندلاع حرب شاملة.
أزمة متصاعدة
شكلت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة تطوراً خطيراً، خاصةً مع اتهامات للحكومة اليمنية بشأن الدعم الإقليمي للانتقالي. وقد أثار ذلك ردود فعل قوية من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مع مطالبات بالتدخل الإقليمي والدولي لحماية وحدة البلاد.
يتوقع المراقبون أن يستمر التوتر في اليمن خلال الأسابيع القادمة، مع احتمال حدوث المزيد من الاشتباكات والمواجهات بين الطرفين المتنازعين. إن مستقبل اليمن معلق على قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية على التوصل إلى حل سياسي شامل يضمن وحدة البلاد واستقرارها.
من المتوقع أن تعقد الأمم المتحدة اجتماعاً طارئاً خلال الأسبوع القادم لمناقشة الأوضاع المتدهورة في اليمن. وستركز المناقشات على سبل وقف العنف، وإعادة الأطراف المتنازعة إلى طاولة المفاوضات، وإيجاد حل سياسي يضمن تحقيق السلام والاستقرار في البلاد. يبقى الوضع في اليمن متقلباً وغير مؤكد، ويتطلب متابعة دقيقة من قبل جميع الأطراف المعنية.






