:
أطلق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مبادرة جديدة أثارت جدلاً واسعاً، وهي ما أسماها “مجلس السلام”. ويهدف هذا المجلس، وفقاً للإعلانات الأولية، إلى المساهمة في إنهاء الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في قطاع غزة، إلا أن تسريبات وثيقة تأسيسه كشفت عن تفاصيل مثيرة للشكوك حول أهدافه الحقيقية وطريقة عمله، بما في ذلك اشتراط مبالغ مالية كبيرة للانضمام إليه.
الجدل الدائر حول “مجلس السلام” يتركز حول اتهامات بأنه يمثل محاولة لإنشاء منظمة موازية للأمم المتحدة، مع ترامب في منصب الرئيس، وروسيا ممثلة بشخص الرئيس فلاديمير بوتين. وقد أثارت الشروط المالية للانضمام، والتي تصل إلى مليار دولار أمريكي للحصول على مقعد دائم، انتقادات واسعة النطاق، حيث يرى البعض أنها تحول السلام إلى سلعة قابلة للشراء.
“مجلس السلام” وتداعياته المحتملة على النظام الدولي
تأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحديات متزايدة، بما في ذلك تراجع دور الأمم المتحدة في حل النزاعات. وفقاً لتقارير إعلامية، فإن وثيقة تأسيس المجلس المسربة تشير إلى أنه يسعى إلى تجاوز دور المنظمات الدولية القائمة، وتقديم حلول بديلة للقضايا العالمية.
لكن الشروط المالية للانضمام تثير تساؤلات حول مدى جدية هذه المبادرة في تحقيق السلام. فالحصول على مقعد دائم يتطلب دفع مبلغ مليار دولار أمريكي، بينما ينتهي عضوية الدول التي لا تدفع هذا المبلغ بعد ثلاث سنوات. هذا الأمر يضع علامات استفهام حول ما إذا كان المجلس يهدف حقاً إلى جمع الدول حول طاولة المفاوضات، أم أنه مجرد مشروع تجاري مقنع.
ردود الفعل الدولية المتباينة
لم تتأخر ردود الفعل الدولية على هذه المبادرة. فقد رفضت فرنسا الانضمام إلى المجلس، معلنة أنها لا ترى فيه بديلاً عن الأمم المتحدة. ووفقاً لمصادر فرنسية، فإن باريس اعتبرت الشروط المالية باهظة، وأن المجلس يقوض دور المنظمة الأممية.
ورد ترامب على الرفض الفرنسي بتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي. هذا التهديد أثار قلقاً في الأوساط الاقتصادية، حيث يُخشى من أن يؤدي إلى حرب تجارية بين الولايات المتحدة وفرنسا.
في الاتحاد الأوروبي، أشار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى أن الانضمام إلى المجلس يتطلب موافقة البرلمان البولندي، مؤكداً أنه لا يمكن لأي دولة أن تشتري مقعداً في منظمة دولية. هذا الموقف يعكس قلقاً متزايداً في أوروبا بشأن محاولات تقويض النظام الدولي القائم.
غياب الإشارة إلى غزة في الوثيقة المسربة
أحد الجوانب الأكثر إثارة للجدل في هذه القضية هو أن وثيقة تأسيس “مجلس السلام” المسربة لا تتضمن أي ذكر لقطاع غزة أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هذا الأمر يثير تساؤلات حول ما إذا كان إنهاء هذا الصراع هو الهدف الحقيقي للمجلس، أم أنه مجرد ستار لتغطية أهداف أخرى.
يرى بعض المحللين أن تركيز المجلس قد يكون على قضايا أخرى، مثل الأمن الإقليمي أو مكافحة الإرهاب، وأن الصراع في غزة قد يكون مجرد نقطة انطلاق لجذب الانتباه.
العديد من المراقبين يركزون على مفهوم **الدبلوماسية الموازية** (Parallel Diplomacy) الذي يمثله هذا المجلس، وكيف يمكن أن يؤثر على جهود السلام القائمة. كما أن مسألة **التمويل السياسي** (Political Funding) وشفافيته تبرز كقضية رئيسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير هذه المبادرة على **الأمن الإقليمي** (Regional Security) في الشرق الأوسط يظل غير واضح.
من المهم الإشارة إلى أن هذه المبادرة تأتي في سياق سياسي معقد، حيث تتزايد الانقسامات بين الدول الكبرى. فالولايات المتحدة وروسيا والصين، على سبيل المثال، تتنافس على النفوذ في مختلف أنحاء العالم، وتسعى كل منها إلى تعزيز مصالحها الخاصة.
في الوقت الحالي، لا يزال مصير “مجلس السلام” مجهولاً. فالعديد من الدول تتردد في الانضمام إليه، بسبب الشروط المالية والشكوك حول أهدافه الحقيقية.
الخطوة التالية المتوقعة هي محاولة ترامب حشد دعم إضافي للمجلس، وإقناع المزيد من الدول بالانضمام إليه. ومن المرجح أن يركز على الدول التي لديها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، أو التي تشعر بالاستياء من دور الأمم المتحدة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه المحاولة يبقى غير مؤكداً. فالعديد من الدول ترى أن الأمم المتحدة، على الرغم من عيوبها، لا تزال أفضل منتدى لحل النزاعات الدولية. كما أن هناك قلقاً متزايداً بشأن محاولات تقويض النظام الدولي القائم، واستبداله بنظام جديد يعكس مصالح الدول الكبرى فقط.






