تباينت الاحتفالات الافتتاحية لدورة الألعاب الأولمبية 2024 في باريس والألعاب الشتوية 2026 في ميلانو-كورتينا بشكل لافت، حيث أثارت إحداهما جدلاً ثقافياً، بينما احتفت الأخرى بالتراث والفخر الوطني. يرى مراقبون أن هذا التباين يعكس المسارات السياسية المختلفة لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني.

الاحتفالات الأولمبية: مسرح للسياسة والهوية

تُعد الاحتفالات الافتتاحية للألعاب الأولمبية من أبرز الفعاليات الثقافية التي يشاهدها العالم، وتشكل منصة قوية للدول لعرض تصوراتها عن نفسها وكيف ترغب في أن تُرى. وصف هيو دوجان، المدافع عن الهدنة الأولمبية والدبلوماسي الأمريكي السابق، الاحتفال الباريسي بأنه “عرض حضري تفكيكي لامركزي… جريء بصرياً ولكنه مثير للانقسام”، مبني على سرديات عن فرنسا الحديثة والتنوع وإعادة تفسير التاريخ. وأشار إلى أن التصميمات والملابس “حملت غالباً تعليقات اجتماعية واضحة”، مما غذى النقاش حول ما إذا كانت أجزاء من الاحتفال متعمدة الاستفزاز أو مدفوعة أيديولوجياً.

على النقيض من ذلك، احتفى حفل ميلانو-كورتينا بالألعاب الشتوية بـ”التقاليد والانسجام والتعايش والهدنة الأولمبية”، مع التركيز على الإرث والمناظر الطبيعية ومسيرة الرياضيين بدلاً من الرسائل السياسية. ووصف دوجان النهج الإيطالي بأنه “شمولي، مدفوع بالتراث، وكلاسيكي”، مقارنة بأسلوب باريس “المبالغ فيه، والمدفوع بالسرد، والتجريبي”.

باريس: حداثة وتفسير ثقافي

أثارت الاحتفالات الافتتاحية لدورة الألعاب الأولمبية 2024 في باريس، التي أقيمت على طول نهر السين، controversies . فقد انتقذت مجموعات مسيحية ومعلقون محافظون مقطعاً فُسّر على نطاق واسع على أنه إشارة إلى “العشاء الأخير” لليوناردو دا فينشي، قبل أن يوضح المنظمون القصد واعتذروا عن أي إساءة. أصبح هذا المقطع نقطة اشتعال في النقاش الأوسع حول الهوية والدين ومعنى الرموز العامة في فرنسا.

وذكرت مجلة “The Conversation” أن الاحتفال أطلق نقاشاً وطنياً حول “الأيديولوجية التقدمية” والتوجه الثقافي لفرنسا. وأكدت إيما تشوبارت، زميلة باحثة في “مؤسسة هنري جاكسون” بالمملكة المتحدة، لـ”فوكس نيوز ديجيتال”: “لقد أصبحت الألعاب الأولمبية مسرحاً للسياسات الثقافية بقدر ما هي رياضية.”

وأضافت: “فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون تبنت سياسات تقدمية وشعارات ما بعد وطنية، بينما أكدت إيطاليا بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني على التراث والتقاليد والفخر الوطني غير الاعتذاري. تعكس هذه الخيارات الجمالية الانقسام المتزايد حول المستقبل الثقافي والسياسي لأوروبا.”

ميلانو-كورتينا: تقاليد وفخر وطني

ركزت تقارير الاحتفال في ميلانو على كونه حدثاً يركز على الوحدة يحتفي بالثقافة والتصميم والمشاهد الإيطالية، متجاوزاً التوترات التي سبقت الألعاب ومبرزاً المثل الأولمبي المتمثل في التواصل والسلام. أبرزت التغطية التقاليد والعرض المبهر بدلاً من الرمزية الأيديولوجية، حيث استندت العروض إلى الصور الكلاسيكية والهوية الوطنية.

من جانبه، قال دوجان، الذي أطلق مؤخراً مؤشر الامتثال للهدنة الأولمبية لتتبع كيفية التزام الدول بالتقليد، إن الاختلاف يعكس فلسفتين متميزتين حول ما يجب أن تمثله الاحتفالات الأولمبية. فبينما تمحورت باريس حول الهوية الحديثة والتعددية، مقدمة سردية ثقافية طموحة وجدها البعض جريئة والبعض الآخر مشحونة سياسياً، ركزت ميلانو على موضوعات خالدة مرتبطة بالتراث والتواصل البشري والهدنة الأولمبية.

تطور الألعاب الأولمبية – التوقعات المستقبلية

يسلط التباين بين الاحتفالات الضوء على تطور أوسع للألعاب الأولمبية نفسها. تستخدم الدول المضيفة بشكل متزايد الاحتفالات الافتتاحية لعرض الهوية والقيم الوطنية، سواء من خلال إعادة تفسير حديثة أو رموز تقليدية. وتُظهر هذه الأحداث كيف أصبحت الأولمبياد ساحة لمعركة رمزيّة بين رؤى مختلفة لما تمثله الأمة وكيف يجب أن تتفاعل مع العالم.

وبينما تستعد الألعاب الأولمبية لوداع باريس والانتقال إلى ميلانو، فإن كيفية تعامل الجمهور والمحللين مع رسائل الاحتفالات المستقبلية، وتأثيرها على الخطاب السياسي والثقافي، ستظل موضع متابعة دقيقة. يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت هذه الفعاليات ستركز بشكل أكبر على الرياضة والوحدة العالمية، أم ستستمر في كونها منصة لتعكس الانقسامات الثقافية والسياسية.

شاركها.