يشهد المشهد الإقليمي في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية وعسكرية متسارعة، يحضر فيها اسم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشكل لافت، سواء عبر لقاءات ثنائية مع مسؤولين عسكريين أميركيين رفيعي المستوى، أو من خلال استضافة قمم إقليمية أفضت إلى توقيع اتفاقيات دفاعية غير مسبوقة. ومن يتابع أخبار محمد بن سلمان خلال الأيام الماضية يلحظ أن المملكة تسعى إلى ترسيخ موقعها كطرف محوري في ملفات الأمن الإقليمي، عبر مسارين متوازيين: تعزيز الشراكة الدفاعية القائمة مع الولايات المتحدة، وبناء أطر تعاون دفاعي جديدة مع دول الجوار الإسلامي.

لقاء ولي العهد وقائد القيادة المركزية الأميركية

التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الخميس، قائد القيادة المركزية بالجيش الأميركي “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء السعودية “واس”. وتناول اللقاء عدداً من الموضوعات المرتبطة بالتعاون بين المملكة والولايات المتحدة في المجالات الدفاعية، إضافة إلى مستجدات الأوضاع الإقليمية، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

أبرز محاور اللقاء

  • التعاون الدفاعي بين المملكة والولايات المتحدة.
  • مستجدات الأوضاع الإقليمية الراهنة.
  • الجهود المشتركة لخفض التصعيد في المنطقة.
  • سبل تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.

هذا اللقاء يأتي في سياق متصل بجهود أوسع تبذلها المملكة على أكثر من مسار، إذ لم يقتصر النشاط الدفاعي السعودي على التنسيق مع واشنطن، بل امتد إلى استضافة تحرك دبلوماسي إقليمي بارز تمثل في توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع دولتين شقيقتين. وبذلك تتضح صورة أوسع لمقاربة سعودية تجمع بين الحفاظ على عمق العلاقة الدفاعية مع الشريك الأميركي التقليدي، وبين الانفتاح على أطر تعاون إقليمية جديدة تعكس تحولات موازين القوى في المنطقة.

اتفاقية مكة للدفاع المشترك

في هذا الإطار، وقّعت كل من تركيا والسعودية وباكستان ما بات يعرف بـ”اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، وذلك بعد زيارة قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مكة المكرمة تلبية لدعوة من ولي العهد السعودي، التقى خلالها أيضاً رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، قبل أن يوقّع القادة الثلاثة الاتفاقية. وقال أردوغان إن الاتفاقية تستند إلى مبدأ “الردع الجماعي”، وتظل مفتوحة أمام الدول “الشقيقة” الساعية إلى تحقيق السلام والرخاء والاستقرار في المنطقة.

وبحسب ما نُشر، فإن الاتفاقية ستسهم في تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الثلاث، وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجال الصناعات الدفاعية، إلى جانب دعم جهود مكافحة الإرهاب. كما شدد الرئيس التركي على أن الاتفاقية تؤكد حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مؤكداً أنها لا تستهدف أي دولة، وتهدف إلى تحقيق الأمن والرفاه والاستقرار في المنطقة. وتنص الاتفاقية على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً.

ويأتي هذا التطور ليشكل محطة بارزة ضمن أخبار السعودية المتعلقة بالسياسة الدفاعية والإقليمية للمملكة، بوصفها طرفاً رئيسياً في صياغة هذا الإطار الأمني الجديد.

ردود الفعل التركية على الاتفاقية

وصف نائب الرئيس التركي جودت يلماز الاتفاقية بأنها “خطوة تاريخية” من شأنها الإسهام في تعزيز البنية الأمنية للمنطقة، مشيراً إلى أنها لا تستهدف أي دولة، بل تعزز مفهوم الأمن المشترك والردع والتعاون في الصناعات الدفاعية والاستقرار الإقليمي. وأضاف أن الاتفاقية تدفع قدماً رؤية تركيا للسياسة الخارجية القائمة على السلام، وتعزز تعاونها الاستراتيجي متعدد الأبعاد، متوقعاً أن تمنح روح التعاون الاستراتيجي في المجال الأمني زخماً للعلاقات الاقتصادية، لا سيما في مجالات التجارة والتمويل والاستثمار.

من جانبه، رأى رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران أن الاتفاقية تمثل “خطوة تاريخية” لترسيخ التاريخ المشترك وروابط الأخوة وإرادة التضامن بين الدول الثلاث على أساس استراتيجي، موضحاً أنها ستعزز الأمن المشترك والردع الجماعي، وسترفع مستوى التعاون في الصناعات الدفاعية وقابلية العمل العسكري المشترك إلى مستويات متقدمة.

دلالات التحركات الدفاعية الأخيرة

مجمل هذه التطورات يعكس نهجاً سعودياً يقوم على موازنة العلاقات الدفاعية التقليدية مع الولايات المتحدة، مع الانفتاح في الوقت نفسه على شراكات إقليمية جديدة مع دول ذات ثقل عسكري واقتصادي في المنطقة الإسلامية. فاللقاء مع قائد القيادة المركزية الأميركية يؤكد استمرار العلاقة الدفاعية القائمة منذ عقود بين الرياض وواشنطن، في حين أن اتفاقية مكة تفتح مساراً موازياً قائماً على تعاون أفقي بين دول إقليمية تتشارك مصالح أمنية متقاربة. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذا النهج على النحو التالي:

  • استمرار التنسيق الدفاعي مع واشنطن عبر قنوات عسكرية رفيعة المستوى.
  • الانخراط في أطر تعاون إقليمي جديدة قائمة على مبدأ الردع الجماعي.
  • التركيز على خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار كهدف مشترك بين مختلف الأطراف.
  • تنويع مسارات التعاون في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب.

في الختام

تُظهر هذه التحركات مجتمعة أن السعودية تعمل على بناء منظومة علاقات دفاعية متعددة المسارات، تجمع بين الشراكة التقليدية مع الولايات المتحدة والانفتاح على تحالفات إقليمية جديدة قائمة على مبدأ الردع الجماعي. فهل تشكل هذه الأطر الدفاعية المتوازية بداية لمرحلة جديدة من التنسيق الأمني في المنطقة؟ سؤال تجيب عنه التطورات المقبلة على هذا الملف.

شاركها.