مع دخول فنزويلا مرحلة ما بعد حكم نيكولاس مادورو، يحذر مسؤولون سابقون وخبراء إقليميون من أن البلاد قد تواجه ليس انتقالاً ديمقراطياً، بل فترة من عدم الاستقرار المتزايد والصراع الداخلي بين خلفائه المحتملين، وهو وضع قد يكون أسوأ من حكم مادورو نفسه. وقد أدى إزاحة مادورو إلى كشف نظام متصدع لم يكن قائماً على قوة رجل واحد، بل على مراكز قوة إجرامية متنافسة تتحرك الآن بشكل مستقل. هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل فنزويلا واستقرارها السياسي.
وأشار مارشال بيليнгسليا، مساعد وزير الخزانة الأمريكي السابق لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية، إلى أن إزالة مادورو كشفت عن نظام هش. وأضاف أن ما كان يُعرف بـ “الكارتل” كان دائماً تحالفاً فضفاضاً، حيث يمتلك كل زعيم مافيا مراكز نفوذه الخاصة. وكان مادورو بمثابة الواجهة، لكنه لم يمارس سيطرة كاملة. والآن، نشهد انقسام هذه المراكز على نفسها، مما يزيد من صعوبة التنبؤ بالمستقبل.
الوضع في فنزويلا بعد مادورو: صراع على السلطة وعدم يقين
تبرز دلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة، كقائدة مؤقتة، لكن صعودها لم يزِد من طمأنة الفنزويليين أو المراقبين الدوليين بأن تغييراً حقيقياً قادم. فهي متجذرة بعمق في نظام مادورو وقد لعبت دوراً محورياً في الإشراف على جهاز الاستخبارات والأمن الداخلي في فنزويلا على مدى سنوات طويلة.
وبحسب تقارير إقليمية، ركزت رودريغيز منذ توليها المنصب على تعزيز السيطرة داخل هذه المؤسسات بدلاً من الإشارة إلى إصلاحات سياسية. ويثير هذا الأمر قلقاً بشأن ما إذا كانت ستواصل نفس السياسات القمعية التي كانت سائدة في عهد مادورو.
نفوذ الاستخبارات الكوبية
يشير مسؤولون سابقون وأقليميون إلى أن صعود رودريغيز أعاد إلى الأذهان تساؤلات قديمة حول الجهة التي تؤثر حقاً في قراراتها، مع التركيز على علاقاتها الوثيقة بجهاز الاستخبارات الكوبي. فقد لعبت القوات الكوبية دوراً مركزياً في بناء وتشغيل جهاز الأمن والمراقبة الداخلي في فنزويلا على مدى العقدين الماضيين، وتغلغلوا داخل أجهزة الاستخبارات الفنزويلية.
توازنات القوى المتنافسة
في الوقت نفسه، يبدو أن رودريغيز تختبر التعاون مع واشنطن، مما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن مدى النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة. يرى البعض أن هذا الانخراط المحدود هو تكتيكي، يهدف إلى كسب الوقت بينما تسعى إلى تأمين الولاء داخل النظام وتحييد الفصائل المتنافسة. وفي هذا السياق، تتشكل توازنات قوى جديدة، ويبقى من الصعب تحديد ملامحها النهائية.
ديوسدادو كابيلو
يظهر ديوسدادو كابيلو، أحد أكثر الشخصيات إثارة للخوف في البلاد، كلاعب رئيسي في الصراع على السلطة بعد مادورو. ويمتلك كابيلو نفوذاً كبيراً على الحزب الحاكم وقوات الأمن الداخلية، ويقوم بتعبئة الجماعات المسلحة المعروفة باسم “الكولكتيفوس” والمجموعات الموالية. وتنشط هذه الجماعات في الشوارع، وتلقي القبض على المعارضين، وتعزيز سلطة النظام من خلال الترهيب.
وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كابيلو بسبب مزاعم الفساد والارتباط بشبكات تهريب المخدرات. وينظر إليه على نطاق واسع على أنه شخصية قادرة على ترسيخ السلطة بالقوة بدلاً من المؤسسات، وهو ما يثير مخاوف بشأن العودة إلى الممارسات القمعية.
خورخي رودريغيز
يظل خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية وشقيق دلسي رودريغيز، أحد أبرز المشغلين السياسيين في النظام. وقد شغل رودريغيز منصب استراتيجي رئيسي لمادورو، حيث أشرف على الاتصالات والانتخابات والتنسيق الداخلي. وتشير التقارير الأخيرة إلى أنه لا يزال يعمل عن كثب مع شقيقته للحفاظ على السيطرة على هياكل الاستخبارات والأمن، مما يعزز قبضة النظام على الرغم من إزالة مادورو.
ويقول الخبراء إن رودريغيز قد يلعب دوراً محورياً في تشكيل أي انتقال مُدار يهدف إلى الحفاظ على النظام الذي بناه مادورو. وهذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت ستكون هناك أي تغييرات جوهرية في السياسات أو هياكل السلطة.
فلاديمير بادرينو لوبيز
يظل وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي طالما اعتبر الدعامة الأساسية لبقاء مادورو، شخصية حاسمة. وعلى الرغم من أن بادرينو لوبيز لم يعلن علناً عن نفسه كخليفة، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن القوات المسلحة لم تعد موحدة خلف قائد واحد. ينقسم كبار الجنرالات إلى فصائل متنافسة، مما يزيد من خطر حدوث صراعات داخلية أو تحول نحو حكم عسكري صريح إذا ضعفت سلطة المدنيين.
بالإضافة إلى الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة، تواجه فنزويلا خطراً أكبر. فإن أجزاء كبيرة من البلاد تخضع بالفعل لتأثير الجماعات الإجرامية والمسلحة. ومع ضعف السلطة المركزية، قد تستغل هذه الجهات الفراغ في السلطة، وتوسع سيطرتها على الأراضي وطرق التهريب. ويحذر الخبراء من أن الانهيار غير المنضبط قد يؤدي إلى إطلاق قوى أكثر عنفاً وأقل قابلية للتكهن من القمع المركزي لمادورو، وهو ما يشير إلى أن هذا الخطر يتزايد.
وفي خارج النظام، تظل ماريا كورينا ماشادو هي الشخصية السياسية الأكثر شعبية بين الناخبين الفنزويليين. لكن الشعبية وحدها قد لا تكون كافية للترجمة إلى سلطة. تفتقر ماشادو إلى السيطرة على قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات والمجموعات المسلحة. ومع تصاعد القمع ومناورة الفصائل المتنافسة، يبقى قدرها على تحويل الدعم الشعبي إلى سلطة سياسية غير مؤكد.
يقول المحللون إن سقوط مادورو لم يفكك هيكل السلطة في فنزويلا، بل شتته. ومع وجود مسلحين موالين في الشوارع، وفصائل متنافسة تتحرك وراء الكواليس، وقائدة مؤقتة تكافح لتأكيد سلطتها، تواجه فنزويلا الآن فترة خطيرة قد تكون فيها تداعيات حكم مادورو أكثر فوضوية – وربما أكثر وحشية – من الوضع السابق. بالنسبة للفنزويليين، لم يعد السؤال هو ما إذا كان مادورو قد رحل، بل ما إذا كان أي شيء يحل محله سيكون أفضل.
من المتوقع أن تشهد فنزويلا في الأسابيع والأشهر المقبلة مزيداً من التصعيد في التوترات السياسية والأمنية. يجب مراقبة تطورات العلاقات بين مختلف الفصائل المتنافسة، وكذلك التفاعلات بين الحكومة المؤقتة والجهات الخارجية الفاعلة، مثل الولايات المتحدة وكوبا. في ظل هذه الظروف، يبقى مستقبل فنزويلا معلقاً على حافة الهاوية، ولا يمكن التنبؤ بالاتجاه الذي ستسلكه الأمور.






