سلط مؤتمر ميونخ للأمن 2026 الضوء على تحديات جيوسياسية كبرى، حيث ظهرت الولايات المتحدة كحليف أقل يقينًا لأوروبا، مما دفع القارة العجوز إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية. وشهد المؤتمر أيضًا سعي الصين لتعزيز علاقاتها مع الأوروبيين، وسط شكوك حول قرب نهاية الحرب في أوكرانيا.
اختتم مؤتمر ميونخ للأمن أعمال نسخته الثانية والستين في 16 فبراير 2026، وسط تحذيرات من تآكل النظام الدولي ودعوات متزايدة لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة. وأشارت المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة، راشيل إليهوس، إلى أن المؤتمر كشف عن تحولات مهمة في العلاقات عبر الأطلسي، مع سعي أوروبا لسد الفجوة الدفاعية المحتملة.
تطمينات أمريكية تحت المجهر
أكدت الولايات المتحدة في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 على التزامها بشراكتها التاريخية مع أوروبا، مشيرة إلى أهمية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنسبة لها. وقد أرسلت الإدارة الأمريكية وفدًا رفيع المستوى، بما في ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي ألقى خطابًا سعى فيه إلى بث الطمأنينة في نفوس الحلفاء الأوروبيين. وأوضح روبيو أن الولايات المتحدة ترى في أوروبا شريكًا استراتيجيًاace، وأنها تدعم تعزيز الدور الأوروبي داخل الحلف.
ومع ذلك، لم تخفف هذه التصريحات من شكوك بعض الأوروبيين حيال مدى التزام واشنطن مستقبلاً، خاصة في ظل تقارير عن تقلبات سياسية داخلية في الولايات المتحدة. وأعربت إليهوس عن قلق بعض الدول الأعضاء في الناتو من احتمال تغير المواقف الأمريكية، مشيرة إلى أن هذه الشكوك قد تدفع أوروبا إلى تبني استراتيجية دفاعية أكثر اكتفاءً ذاتيًا. كما أثارت إشارات روبيو إلى الروابط المسيحية والحضارية قلق البعض، حيث رأوا فيها احتمالًا للتدخل في الشؤون الداخلية الأوروبية.
أوروبا تتجه نحو الاستقلال الدفاعي
في سياق متصل، شهد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 دفعًا قويًا من قبل قادة أوروبيين نحو تعزيز الدور الدفاعي للقارة. فقد أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى ضرورة بناء “ناتو أكثر أوروبية”، مما يعكس رغبة متزايدة في تقاسم أعباء الدفاع بشكل أكثر توازنًا. كما أبدت بريطانيا، ممثلة برئيس الوزراء كير ستارمر، رغبة الانفتاح على علاقات أوثق مع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما وصفته إليهوس بـ”الجرأة السياسية”.
وأفاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الحوار لم يعد يقتصر على الدفاع داخل الاتحاد الأوروبي، بل يشمل نطاقًا أوسع يضم دولًا مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة. وتعكس هذه التحركات رغبة أوروبية جامحة في بناء قدرات دفاعية متكاملة. على الرغم من ذلك، تواجه هذه المساعي تحديات مالية، حيث تعاني كل من فرنسا والمملكة المتحدة من ضغوط اقتصادية قد تحد من قدرتهما على زيادة الاستثمار في الدفاع.
الصين تغتنم الفرص
من جانب آخر، استغل مؤتمر ميونخ للأمن 2026 لتعزيز التواجد الصيني على الساحة الدولية. فقد أظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي استعداد بكين لشغل الفراغ المحتمل في العلاقات الدولية، معربًا عن رغبة الصين في تعزيز علاقاتها مع أوروبا، بما في ذلك ألمانيا وكندا. وأبدى وانغ يي أيضًا استعداد بلاده لتقديم مساعدات إنسانية إضافية لأوكرانيا، في محاولة لتقديم نفسها كشريك عالمي مسؤول.
ورأت إليهوس أن الصين قد تسعى للاستفادة من أي تراجع أمريكي في الاهتمام بأوروبا، مقدمة نفسها كبديل جاذب. وأشارت إلى أن الدول الأوروبية تدرك المخاطر المرتبطة بتعزيز العلاقات مع الصين، لكنها قد تنجذب إلى الفوائد الاقتصادية، معتقدة بقدرتها على إدارة الآثار السلبية المحتملة.
نظرة قاتمة لمستقبل أوكرانيا
فيما يتعلق بالصراع المستمر في أوكرانيا، اتسمت المناقشات في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 بنظرة متشائمة حول إمكانية التوصل إلى نهاية قريبة للحرب. وأشارت إليهوس إلى أن الشعور السائد بين الأوروبيين هو أن روسيا لا تزال تسعى لكسب الوقت من خلال المفاوضات، وليس لديها نية حقيقية لإنهاء الأعمال العدائية. ورغم ذلك، حاول العديد من المشاركين دحض السردية الروسية حول تحقيق انتصارات ميدانية، مشيرين إلى الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة التي تكبدتها روسيا.
عكست المناقشات في المؤتمر شعورًا بأن العالم يتجه نحو نظام جيوسياسي متعدد الأقطاب، في ظل تحولات سريعة تهدد النظام الدولي القائم. ومن المتوقع أن تستمر هذه المخاوف بشأن الاستقرار العالمي في ظل التوترات المتصاعدة والخلافات المتزايدة بين القوى الكبرى.






