اختتمت فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026، تاركةً وراءها مجموعة من الرسائل والتعهدات الهامة حول مستقبل الأمن العالمي، وخاصة فيما يتعلق بأوروبا ودورها في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة. شهد المؤتمر نقاشات مكثفة حول الدعم المستمر لأوكرانيا، ودور الناتو، والتحديات الأمنية في القطب الشمالي، بالإضافة إلى مخاوف متزايدة بشأن السياسات الروسية.
أبرزت الرسائل الرئيسية المنبثقة عن المؤتمر دعوات أوروبية لزيادة المسؤولية الدفاعية للقارة، وتأكيد أوكرانيا على حاجتها لدعم مستمر وضغط اقتصادي متزايد على روسيا، ومناشدات أمريكية لتعزيز الوحدة عبر الأطلسي لمواجهة المخاطر المتزايدة على الحضارة الغربية. كما سلطت النقاشات الضوء على أهمية تماسك التحالفات الدولية في ظل عالم يتسم بتصاعد “سياسات القوة”.
تعهدات أوروبية بزيادة المسؤولية الدفاعية والاستراتيجية
من أوروبا، أكد القادة الحاضرون على الاستماع إلى النداءات الأمريكية لزيادة مساهمة القارة في أمنها. وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، على ضرورة أن تصبح أوروبا أكثر استقلالية في مجالات الدفاع والطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا. وأوضحت أن هذه الاستقلالية لا تتعارض مع الروابط عبر الأطلسي، بل تعززها، مشيرة إلى أن أوروبا المستقلة تعني تحالفًا عبر الأطلسي أقوى.
وأضافت فون دير لاين أن الوقت قد حان لتفعيل آلية الدفاع المتبادل الأوروبية، مؤكدة أنها ليست خياراً بل التزام ضمن معاهدة الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، أشار المستشار الألماني، غيرهارد شتاين، إلى أن النظام العالمي القديم لم يعد موجودًا، وأن العالم يشهد حقبة جديدة من “سياسات القوة” التي تشكل خطرًا حتى على الدول الكبرى. وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، أن أوروبا يجب أن تبني استراتيجيتها الخاصة، مستفيدة من “لحظة أوروبية” شهدها مؤتمر هذا العام.
أوكرانيا تدعو لوقف إطلاق النار وداعمة لسلام دائم
من جانبه، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى مزيد من الدعم وضغط اقتصادي متزايد على روسيا، مشددًا على أن أوروبا يجب أن تكون في طليعة المفاوضات السلمية. وأكد على ضرورة تحديد موعد لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، معربًا عن تفاؤله بأن تكون بلاده جاهزة للانضمام بحلول عام 2027. ولكنه حذر من أن أي تأخير قد تستغله روسيا لعرقلة هذا المسار.
كما أشار زيلينسكي إلى أن تنظيم الانتخابات في بلاده سيكون ممكنًا فقط بعد فترة وقف إطلاق نار مدتها شهرين، مشددًا على صعوبة إجراء عمليات انتخابية في ظل القصف المستمر. وفي سياق متصل، شدد على أن أوروبا يجب أن تلعب دورًا أكبر في المفاوضات، معربًا عن اعتقاده بأن استبعاد أوروبا من طاولة المفاوضات يمثل “خطأ فادحًا” وأن السلام الحقيقي لا يمكن بناؤه إلا على ضمانات أمنية واضحة.
إلى جانب ذلك، كشفت خمس دول أوروبية عن نتائج أبحاث تؤكد تسمم المعارض الروسي أليكسي نافالني. وذكرت وزارات خارجية المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسويد وهولندا أن تحليل العينات يؤكد وجود مادة “إبيباتيدين”، وهي سم قاتل يوجد في ضفادع السهام الاستوائية، وأكدت أن روسيا وحدها كانت تملك الوسائل والدافع لارتكاب هذه الجريمة. وقد أعربت أرملة نافالني، يوليا نافالنايا، عن شكرها للدول الأوروبية على كشف الحقيقة، معتبرة أن فلاديمير بوتين “قاتل” يجب محاسبته.
التحديات الأمنية في القطب الشمالي والوضع الجيوسياسي
شهد المؤتمر أيضًا نقاشات مهمة حول الأمن في القطب الشمالي، حيث أكدت وزيرة خارجية كندا، أنيتا أناند، أن روسيا قامت بنقل بعض بنيتها التحتية إلى مناطق شمالية أكثر بعد الحرب في أوكرانيا، مما يستدعي مزيدًا من التعاون في القدرات والدبلوماسية في المنطقة. وأشار رئيس وزراء جرينلاند، ينس-فريدريك نيلسن، إلى استعداد بلاده لتحمل مزيد من المسؤولية في أمن منطقتها، مؤكدًا التزام جرينلاند بالتحالف مع الناتو.
وكانت هناك إشارات من رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، إلى استمرار رغبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في السيطرة على جرينلاند، معتبرة أن هذا الأمر يمثل تحديًا لحلف الناتو. في المقابل، وصف رئيس وزراء فنلندا، ألكسندر ستوب، تعزيز تواجد الناتو في القطب الشمالي بأنه “لمسة إيجابية” في ظل تزايد التوترات.
نظرة مستقبلية
مع اختتام فعاليات هذا العام، تبقى التحديات كبيرة، ويترقب العالم استمرار الجهود لتحقيق الاستقرار والأمن. يظل السؤال حول قدرة أوروبا على تحمل مسؤولية دفاعها بشكل متزايد، وكيفية التعامل مع السياسات الروسية المتصاعدة، والقضايا الأمنية في القطب الشمالي، كلها نقاط محورية تحتاج إلى متابعة مستمرة. كما أن نتائج المفاوضات المستقبلية بين أوكرانيا وروسيا، بدعم أمريكي وأوروبي، ستحظى باهتمام عالمي كبير.






