لم تهدأ شوارع لندن منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، وأصبح التضامن مع فلسطين جزءًا لا يتجزأ من المشهد العام في العاصمة البريطانية. تجاوز هذا الدعم الاحتجاجات المحدودة ليتحول إلى حركة اجتماعية واسعة النطاق تؤثر في قرارات الحكومة وتضع ضغوطًا على مؤسساتها المختلفة.
وتشير التقارير إلى أن مظاهر الدعم الفلسطيني تتصاعد بشكل ملحوظ، متجاوزةً الأيام القليلة الماضية لتصل إلى أكبر موجة تحرك جماهيري تشهدها بريطانيا منذ عقود. هذا التوسع في المشاركة يضم فئات اجتماعية متنوعة، مما يعكس عمق التعاطف مع القضية الفلسطينية.
تصاعد التضامن مع فلسطين في قلب لندن
في قلب المظاهرات التي تشهدها لندن، يبرز العلم الفلسطيني كرمز موحد لكل الأصوات التي ترى في غزة قضية أخلاقية أساسية. هذا التحول يعكس تطورًا كبيرًا في طبيعة الدعم، حيث لم يعد مجرد تعبير عن التضامن اللفظي بل أصبح فعلًا ملموسًا ومستمرًا.
تردد الهتافات في الشوارع بقوة، أبرزها شعار “كلنا فلسطينيون”، مما يدل على اتساع قاعدة المشاركة وتزايد الوعي بالقضايا المتعلقة بالعدالة العالمية في المجتمع البريطاني. ويعكس هذا الشعار إحساسًا بالانتماء والمسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني.
التضييق الرسمي وزيادة الحراك الشعبي
لم تثنِ محاولات التضييق الرسمية، بما في ذلك اعتقالات الناشطين – وخاصةً من حركة “العمل المباشر من أجل فلسطين” – الحراك الشعبي، بل دفعتهم إلى تحدي الحكومة في المحكمة العليا ومواصلة الاحتجاج في الساحات العامة. إضافة إلى ذلك، فإن حرية التعبير تظل حقًا أساسيًا للمواطنين.
بينما تنشغل أروقة القضاء بالنظر في هذه الملفات القانونية، يتواصل حراك شعبي آخر خارج مبنى المحكمة، يطالب بوقف إطلاق النار ورفض أي محاولة لإسكات الأصوات الداعمة لغزة. وتبرز أهمية استمرار هذا الحراك في الحفاظ على القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام العام.
أرقام تدل على اتساع قاعدة الدعم
تظهر بيانات الحركات التضامنية أن لندن شهدت 23 مظاهرة رئيسية خلال العام الماضي، بينما شهدت القوائم البريدية للحملات الداعمة زيادة أربع مرات في عدد المشتركين، مما يشير إلى قاعدة اجتماعية متنامية للحراك. هذه المؤشرات الكمية تؤكد الاتجاه الصاعد للدعم الشعبي.
تحول الشارع البريطاني إلى مساحة مستمرة للحضور والتعبير، حيث تنظم جموع ضخمة من المتظاهرين فعاليات على الأقل مرة واحدة في الشهر. وامتلأت الجامعات بالاعتصامات الطلابية، مما أدى إلى مراجعة الإدارات لعلاقاتها مع المؤسسات الإسرائيلية. يمثل هذا النشاط الطلابي قوة دافعة إضافية للحراك.
دور الحركات الاجتماعية والناشطين
يصف كريس ناينهام، من تحالف “أوقفوا الحرب”، ما يجري بأنه أحد أكبر الحركات الاجتماعية في تاريخ المملكة المتحدة، موضحًا أن الأعداد تضاعفت بعد السابع من أكتوبر لتصل إلى مسيرة شارك فيها نحو 800 ألف شخص. ويؤكد هذا الرقم على الحجم الهائل للحراك وقدرته على التعبئة الجماهيرية.
ويكشف تفاعل الشارع عن جذور اجتماعية أعمق. فقد أصبحت فلسطين بالنسبة للكثيرين رمزًا لرفض المظالم الاقتصادية والسياسية التي يرون انعكاساتها في حياتهم اليومية، لتتحول القضية إلى رمز جامع لمعارك العدالة. هذا التحول يربط القضية الفلسطينية بقضايا أخرى تتعلق بالظلم واللامساواة.
وفي قلب لندن المالية، تربط الناشطة إديث بريثنال بين دعم الشركات الكبرى لسياسات إسرائيل وتأثيراتها العالمية، معتبرة أن فلسطين تقع في الخط الأمامي للنضال ضد المؤسسات التي تتسبب – من وجهة نظرها – في الخراب حول العالم. يؤكد هذا الرأي على أهمية الجوانب الاقتصادية والسياسية للقضية الفلسطينية.
وتتواصل المسيرات في أنحاء العاصمة بأعداد ضخمة وبمشاهد لافتة، أبرزها الأعلام العملاقة والطبول والهتافات الموحدة التي أصبحت جزءًا من ملامح المدينة خلال عطلات نهاية الأسبوع. هذه الصور والمشاهد تعكس قوة الحراك وتأثيره على المشهد العام.
المستقبل.. نحو فعل مجتمعي يومي
يرى المنظمون أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال الحراك من الاحتجاج الأسبوعي إلى الفعل المجتمعي اليومي، من خلال مبادرات تهدف إلى الضغط على المؤسسات البريطانية لاتخاذ مواقف أكثر إنصافًا تجاه الشعب الفلسطيني. يتطلب هذا التحول استراتيجية جديدة تركز على بناء علاقات قوية مع المجتمع المحلي وتوسيع نطاق المشاركة.
ويتوقع أن يستمر الحراك الشعبي في لندن، مع استمرار التصعيد في غزة. وتعتبر الدعوة إلى وقف إطلاق النار وتطبيق القانون الدولي من أهم المطالب التي يركز عليها النشطاء. يبقى من الضروري مراقبة التطورات السياسية والقانونية المتعلقة بالقضية الفلسطينية في بريطانيا، وتقييم تأثير الحراك الشعبي على قرارات الحكومة.






