عادت قضية شراء الولايات المتحدة لـ غرينلاند إلى دائرة الضوء مجددًا بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أعرب فيها عن اهتمام بلاده بالجزيرة لأسباب تتعلق بالأمن القومي. يأتي هذا الاهتمام في ظل تزايد النفوذ الروسي والعسكري في المنطقة القطبية الشمالية، بالإضافة إلى الاستثمارات الصينية المتنامية، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإصرار.

تزامن هذا الإعلان مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حيث يسعى ترامب إلى تعزيز صورته كزعيم قادر على إبرام “صفقات تاريخية” وتحقيق مصالح أميركا في جميع أنحاء العالم. ويرى مراقبون أن ضم غرينلاند يمثل رمزًا للقوة والسيطرة، وهو ما قد يجذب قاعدة ترامب الانتخابية ويساهم في الحفاظ على الدعم الشعبي.

نفوذ القوة لا الشراكة في قضية غرينلاند

على الرغم من وجود قاعدة بيتوفيك-ثول العسكرية الأميركية في غرينلاند، بالإضافة إلى أنظمة الرادار للإنذار المبكر، وتعاون دفاعي قائم مع الدنمارك، إلا أن الدوافع تتجاوز الجوانب العسكرية البحتة. فالجزيرة غنية بالمعادن والموارد الطبيعية، ويمكن للشركات الغربية زيادة استثماراتها فيها دون الحاجة إلى تغيير السيادة.

أكدت وزيرة الاقتصاد والموارد الطبيعية في غرينلاند، نايا ناثانيلسن، في تصريحات سابقة لقناة الجزيرة، أن الدوافع الرئيسية قد تكون أيديولوجية، وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض رؤيتها للعالم. وأضافت أن هذا يعكس نمطًا تفكيرًا سياسيًا استعماريًا قديمًا، يعتمد على “النفوذ بالقوة” بدلاً من الشراكة والمصالح المتبادلة.

الوضع القانوني والسيادي

يثير هذا الطموح الأميركي تساؤلات حول القانون الدولي، الذي يركز على احترام سيادة الدول واستقلالها. ويرى محللون أن هذا السعي يتجاهل التطورات الحديثة في العلاقات الدولية، والتي تؤكد على التعاون والحوار كأدوات أساسية لحل النزاعات وتحقيق المصالح المشتركة.

في الوقت نفسه، تسير غرينلاند بخطوات متأنية نحو تحقيق حكم ذاتي أوسع، وربما الاستقلال الكامل عن الدنمارك في المستقبل. فقد منحت الدنمارك سكان الجزيرة حكمًا ذاتيًا في عام 1979، وتم التوسع في هذا الحكم الذاتي من خلال استفتاء عام 2008، والذي سمح للغرينلانديين بإدارة مواردهم المعدنية بشكل مشترك.

ردود الفعل الغرينلاندية

تدرك غرينلاند أهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الشركاء الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة. وقد أعرب رئيس وزراء غرينلاند، فريدريك نيلسن، عن التزامه بالحوار مع الولايات المتحدة من خلال القنوات الدبلوماسية الرسمية، بهدف إيجاد حلول مرضية للطرفين.

تسعى غرينلاند إلى بناء شراكات متوازنة مع مختلف الدول، بهدف الاستفادة من مواردها الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة. وهي تفضل التعاون الذي يحترم سيادتها واستقلالها، بدلاً من أي محاولة لفرض السيطرة أو الهيمنة.

المستقبل السياسي والاقتصادي لـ غرينلاند

تعتبر قضية غرينلاند بمثابة اختبار للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، ومدى احترام مبادئ السيادة وتقرير المصير. كما أنها تسلط الضوء على التنافس المتزايد بين القوى الكبرى في المنطقة القطبية الشمالية، وعلى أهمية الحفاظ على الاستقرار والسلام في هذه المنطقة الحيوية.

من المتوقع أن تستمر غرينلاند في مساعيها نحو تحقيق حكم ذاتي أوسع، وربما الاستقلال الكامل في المستقبل. وفي الوقت نفسه، ستواصل الحوار مع الولايات المتحدة والدول الأخرى، بهدف إيجاد حلول قانونية وسياسية تضمن احترام مصالحها وحقوقها. وستظل التطورات في المنطقة القطبية الشمالية، وخاصة فيما يتعلق بالاستثمارات الصينية والوجود العسكري الروسي، من العوامل الرئيسية التي تؤثر على مستقبل غرينلاند.

في الأيام والأسابيع القادمة، من المهم مراقبة ردود الفعل الدولية على تصريحات ترامب، وتطورات الحوار بين غرينلاند والولايات المتحدة. كما يجب متابعة التطورات في المنطقة القطبية الشمالية، وخاصة فيما يتعلق بالاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الجديدة. وستظل قضية غرينلاند على جدول الأعمال الدولي، وستتطلب جهودًا دبلوماسية مكثفة من أجل إيجاد حلول مستدامة تضمن السلام والاستقرار في المنطقة.

شاركها.