في عالم التكنولوجيا المتسارع، اتخذت شركة آبل (Apple) نهجًا مختلفًا في تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث فضلت التريث والتركيز على النضج والأمان بدلًا من التنافس في سباق الإطلاق. هذا التأخير، الذي استمر لأكثر من عام في تطوير مساعدها الشخصي “سيري” (Siri)، يبدو الآن وكأنه استراتيجية مدروسة لتقديم نظام أكثر تطورًا وموثوقية، مع التركيز على الخصوصية وحماية بيانات المستخدم.
هذا القرار الاستراتيجي من آبل أثار تساؤلات حول مستقبل المساعدات الشخصية الذكية، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الابتكار السريع والحفاظ على معايير الأمان والخصوصية. بينما تسارعت وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، اختارت آبل التركيز على بناء بنية تحتية قوية تضمن تجربة مستخدم فريدة وآمنة.
لماذا طال الانتظار في تطوير “سيري”؟
لم يكن تطوير “سيري” مجرد تحديث برمجي بسيط، بل كان بمثابة إعادة تصميم جذري لنظام التشغيل iOS. التحدي الأكبر الذي واجه آبل كان كيفية توفير ذكاء اصطناعي متقدم يعرف تفاصيل حياة المستخدم دون تخزين هذه البيانات بشكل مركزي، مما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية.
اعتمدت سيري القديمة على أوامر محددة مسبقًا، بينما تعتمد النسخة الجديدة على “فهم السياق الشخصي”، وهو ما يتطلب بنية تحتية جديدة تعرف بـ”الحوسبة السحابية الخاصة” (Private Cloud Compute). يضمن هذا النظام معالجة البيانات الحساسة على خوادم آبل المشفرة وحذفها فورًا، مما يحافظ على خصوصية المستخدم.
بالإضافة إلى ذلك، استثمرت آبل وقتًا كبيرًا في معالجة مشكلة “الهلوسة الرقمية” التي واجهتها بعض النماذج المنافسة، حيث كانت تقدم معلومات غير دقيقة أو مختلقة. ركزت آبل على بناء “مساعد إجرائي” (Action-oriented Assistant) قادر على تنفيذ المهام بدقة وفعالية.
التركيز على التكامل مع تطبيقات الطرف الثالث
أحد الجوانب الهامة في سيري الجديدة هو قدرتها على التكامل مع تطبيقات الطرف الثالث من خلال بروتوكول “آب إنتنتس” (App Intents). يسمح هذا التكامل لسيري بالتفاعل مع تطبيقات مختلفة، مثل تطبيقات البريد الإلكتروني والبنوك والمهام، لتنفيذ أوامر معقدة بسلاسة.
على سبيل المثال، يمكن لسيري الآن البحث عن فاتورة في تطبيق بريد إلكتروني غير تابع لآبل، ومقارنتها بمصروفاتك في تطبيق بنكي، ثم جدولة تذكير للسداد في تطبيق مهام مستقل. هذا الترابط العميق يتطلب نضجًا في النظام البيئي لا يمكن تحقيقه بسرعة.
إدراك ما يظهر على الشاشة وقدرات الذكاء البصري
تتميز سيري الجديدة بقدرتها على “إدراك ما يظهر على الشاشة” (On-screen Awareness)، مما يمثل قفزة نوعية في التفاعل بين الإنسان والآلة. يمكن لسيري فهم محتوى الرسائل والمستندات والصور على الشاشة، مما يسمح لها بتنفيذ الأوامر بشكل أكثر دقة وذكاء.
على سبيل المثال، إذا تلقيت رسالة من صديق يقترح زيارة معرض فني، يمكن لسيري حجز موعد لهذا الحدث بمجرد قولك “احجز موعدًا لهذا”، دون الحاجة إلى تحديد التفاصيل يدويًا. يتطلب هذا المستوى من الذكاء معالجة متقدمة للرؤية الحاسوبية واللغة.
التأخير كأداة تسويقية غير مباشرة
يعتبر التأخير في إطلاق سيري الجديدة بمثابة فرصة لآبل لضمان توفر البنية التحتية اللازمة لدعم هذه الميزات المتقدمة. بحلول الوقت الذي ستتوفر فيه كافة ميزات الذكاء الاصطناعي، سيكون هناك عدد كبير من المستخدمين الذين يحملون أحدث أجهزة آيفون، مما يخلق طلبًا متزايدًا على هذه التقنية.
بالإضافة إلى ذلك، يرى الخبراء أن التأخير في سبيل الإتقان يعكس احترام آبل لعقل المستخدم وثقته. في حين كانت الشركات المنافسة تسارع لإطلاق منتجات غير مكتملة، كانت آبل تبني نظامًا متكاملًا يجمع بين الأداء القوي والخصوصية العالية.
الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) أصبح جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية آبل، والتركيز على الخصوصية يمثل ميزة تنافسية رئيسية. التعلم الآلي (Machine Learning) يلعب دورًا حاسمًا في تطوير قدرات سيري الجديدة، بينما يمثل معالجة اللغة الطبيعية (Natural Language Processing) أساس فهم السياق الشخصي.
من المتوقع أن تشهد تحديثات ربيع 2026 إطلاق النسخة الكاملة من سيري الجديدة، مع مجموعة واسعة من الميزات المتقدمة. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب معالجتها، مثل ضمان التوافق مع جميع التطبيقات والخدمات، وتحسين دقة التعرف على الصوت في البيئات الصاخبة. سيراقب المحللون عن كثب أداء سيري الجديدة وتقييم مدى تأثيرها على سوق المساعدات الشخصية الذكية.






