تشهد أوروبا تصاعدًا في الاحتجاجات الزراعية، خاصةً ضد اتفاقية التجارة الحرة مع دول أمريكا الجنوبية “ميركوسور”. بالتزامن مع هذه الاحتجاجات، ظهر عدد متزايد من مقاطع الفيديو التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتصور مزارعين، على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يثير تساؤلات حول انتشار المعلومات المضللة وتأثيرها على الرأي العام.
بدأت هذه الظاهرة في الظهور مع انتشار مقاطع فيديو تدعي تصوير ردود فعل المزارعين على اتفاقية ميركوسور، أو على قرارات حكومية أخرى مثل إجراءات ذبح الأبقار للحد من انتشار مرض الجلد العقدي. تتضمن بعض هذه الفيديوهات إعلانات صريحة بأنها مُنشأة بالذكاء الاصطناعي، بينما تظهر أخرى بعلامة مائية “Sora” التابعة لشركة OpenAI المطورة لبرامج إنشاء الصور والفيديو.
تلاعب بالرأي العام من خلال المعلومات المضللة
يكمن الخطر في هذه المقاطع ليس فقط في كونها غير حقيقية، بل في احتمال فقدان هذه الإعلانات أو العلامات المائية عند إعادة نشرها من قبل حسابات أخرى. هذا يجعل من الصعب على المستخدمين العاديين التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المُصطنع، مما يزيد من فرص انتشار المعلومات المضللة.
تشير التحقيقات إلى وجود علامات واضحة تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض هذه الفيديوهات. على سبيل المثال، لوحظ وجود تناقضات في خطوط وأحجام الحروف على الدروع المستخدمة من قبل الشرطة في أحد مقاطع الفيديو.
تقليد الاحتجاجات الفرنسية
ركزت العديد من مقاطع الفيديو التي تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي بشكل خاص على تقليد المزارعين الفرنسيين. هؤلاء المزارعون يعارضون اتفاقية ميركوسور، بالإضافة إلى غضبهم من إجراءات الذبح التي اتخذتها الحكومة للسيطرة على مرض الجلد العقدي.
تتضمن هذه الفيديوهات شهادات عاطفية، حيث يظهر أحد المزارعين منهارًا بسبب ذبح مئات الأبقار في مقاطعة أرييج الفرنسية. على الرغم من أن هذه الشهادة قد تبدو منطقية – نظرًا لوقوع عمليات ذبح بالفعل في ديسمبر الماضي، وتدخل الشرطة بعد محاولة المزارعين منعها – إلا أن هناك دلائل واضحة على التلاعب بالذكاء الاصطناعي. ففي خلفية الفيديو، يتحول مؤخر بقرة إلى رأسها بشكل غير طبيعي.
في مثال آخر، يظهر مزارع آخر وهو يقدم شهادة مؤثرة، ولكنه يبكي دموعًا لا تتدحرج على وجهه. هذه التفاصيل غير الواقعية تشير بقوة إلى أن الفيديو مُنشأ بالذكاء الاصطناعي.
الدوافع وراء نشر المعلومات المضللة
تشير التقارير إلى أن الدافع الرئيسي وراء إنشاء هذا النوع من المحتوى الزائف هو تحقيق مكاسب مالية من خلال زيادة عدد النقرات والمشاهدات. يمكن أن تتحقق هذه المكاسب من خلال الإعلانات أو من خلال بيع الوصول إلى المحتوى.
بالإضافة إلى ذلك، فقد تم استغلال الاحتجاجات الزراعية الأوروبية في حملات دعائية، يُعتقد أنها مدعومة من جهات روسية. ففي بداية عام 2024، انتشر مقطع فيديو مُعدل لقناة Euronews، يحاكي العلامة التجارية والهوية البصرية للقناة. أظهر الفيديو مزارعين فرنسيين وهم يفرغون روث الحيوانات أمام السفارة الأوكرانية، بعد تلقيهم خطابًا مزعومًا من السفير الأوكراني يدعوهم إلى إنهاء احتجاجاتهم.
تبين لاحقًا أن الفيديو لم يتم تصويره أمام السفارة الأوكرانية في فرنسا، بل أمام مقر مجلس منطقة بورغوندي فرانش كونتي في ديجون، حيث قام المزارعون بالفعل بإلقاء الروث. كما تبين أن الخطاب المزعوم للسفير الأوكراني كان مزورًا.
تهدف هذه الجهود إلى تشويه سمعة أوكرانيا، في ظل المخاوف المشروعة للمزارعين الأوروبيين بشأن إدخال واردات غير أوروبية إلى السوق. يُظهر هذا كيف يمكن استغلال القضايا الحقيقية لخلق المعلومات المضللة وتحقيق أهداف سياسية.
تتزايد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على انتشار الأخبار الكاذبة والتلاعب بالرأي العام. تعتبر هذه القضية جزءًا من تحدٍ أوسع يتعلق بـ الأمن السيبراني وضرورة تطوير أدوات وتقنيات للكشف عن المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي.
تستمر شركات التكنولوجيا في تطوير أدوات للكشف عن المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، ولكن هذه الأدوات ليست دائمًا دقيقة أو فعالة. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى زيادة الوعي العام حول مخاطر المعلومات المضللة وكيفية التعرف عليها.
من المتوقع أن تواصل السلطات الأوروبية التحقيق في هذه الحوادث، وأن تتخذ خطوات لمنع انتشار المعلومات المضللة والتصدي للجهات الفاعلة التي تقف وراءها. كما يُنتظر أن يتم تطوير قوانين ولوائح جديدة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وضمان حماية المصالح العامة. يبقى التحدي قائمًا في مكافحة التضليل في بيئة رقمية متغيرة باستمرار.






