في العصر الرقمي، لم يعد الإنسان يكتفي بالإحساس بجسده لمعرفة حالته الصحية. فقبل أن يشعر بالتعب أو الراحة، تكون الساعات الذكية والتطبيقات قد حلّلت نبض القلب، وجودة النوم، ومستوى الإجهاد، وقدّمت تفسيرات جاهزة لما يجري داخل الجسم. وهكذا يتحول الجسد من تجربة شخصية مباشرة إلى مجموعة أرقام ورسوم بيانية وتنبيهات، ما يطرح سؤالًا جديدًا: هل نعيش أجسادنا كما نشعر بها، أم كما تخبرنا الشاشات عنها؟
أصبحت العناية بالصحة ممارسة رقمية يومية. فالأجهزة المحمولة والساعات الذكية تتابع كل حركة وتنفس ونبضة، وتقدم توصيات مستمرة حول النوم والرياضة والتغذية. لكن هذه الأدوات تغيّر العلاقة التقليدية بين الإنسان وجسده، إذ تنتقل الثقة من الشعور الذاتي إلى القراءة الرقمية. ومع الوقت، يصبح الإنسان وسيطًا بين جسده الحقيقي ونسخته الرقمية، التي تقدم تفسيرًا دائمًا لما يجب فعله. إن دخول الذكاء الاصطناعي مجال الصحة يفتح آفاقًا واسعة، لكنه يثير أيضًا تحديات جديدة تتعلق بالخصوصية والثقة.
الصحة اليومية عبر الشاشة
تزايد الاعتماد على التكنولوجيا في مراقبة الصحة الشخصية، حيث أصبحت الساعات الذكية والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من روتين الحياة اليومية للكثيرين. تقوم هذه الأجهزة بجمع بيانات حيوية مثل معدل ضربات القلب، وأنماط النوم، ومستويات النشاط البدني. وبعد تحليل هذه البيانات، تقدم توصيات مخصصة لتحسين نمط الحياة، مثل اقتراحات لتحسين جودة النوم أو زيادة معدل النشاط البدني.
لكن هذا التحول الرقمي في مفهوم الصحة يثير تساؤلات حول مدى الاعتماد على هذه البيانات. فقد يؤدي التركيز المفرط على الأرقام إلى إهمال الإشارات الطبيعية والحدسية التي يرسلها الجسد. وهذا بدوره قد يخلق حالة من القلق المستمر لدى المستخدمين، خاصة عند ظهور قراءات خارج النطاق “المثالي” المحدد من قبل الخوارزميات.
ذكاء اصطناعي يقترب من التشخيص الطبي
لم تعد الأجهزة الصحية تقتصر على عدّ الخطوات أو قياس النوم، بل تطورت لتقترب من التشخيص المبكر للأمراض. فالمجسات القابلة للارتداء والأجهزة المنزلية المتصلة تجمع بيانات مستمرة عن الجسم، وتحاول التنبؤ بالمخاطر الصحية قبل ظهور الأعراض. ويُسوَّق هذا التحول على أنه انتقال من طب يعالج المرض بعد حدوثه إلى طب يستبق الخطر قبل ظهوره.
هذا التطور الطموح، الذي يعتمد بشكل كبير على قدرات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات هائلة من البيانات، يهدف إلى تقديم رعاية صحية استباقية. تقوم الخوارزميات بتحليل الأنماط المعقدة في البيانات الصحية لتحديد مؤشرات مبكرة لأمراض محتملة، مما يتيح التدخل العلاجي في مراحلها الأولى. ومع ذلك، فإن دقة هذه التنبؤات لا تزال قيد التطوير، وتتطلب تقييمًا دقيقًا قبل الاعتماد عليها كبديل للتشخيص الطبي التقليدي.
مليارات الدولارات في الجسد
هذا التطور ليس تقنيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. فقد بلغ حجم سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء نحو 40 إلى 45 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بتجاوزه 160 مليار دولار قبل نهاية العقد الحالي. أما سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء عمومًا، فيتجه ليصبح من أكبر أسواق التكنولوجيا العالمية، ما يعكس اندفاع شركات التكنولوجيا وصناديق الاستثمار نحو هذا القطاع بوصفه أحد أعمدة اقتصاد المستقبل.
يعكس حجم الاستثمار الهائل في قطاع الصحة الرقمية الثقة المتزايدة في إمكانيات هذه التقنيات. وتستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات رأس






