في خضم نقاشات مكثفة حول مستقبل الإصلاحات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، قلل رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، من أهمية فكرة “أوروبا بسرعتين” كحل سحري لفك الجمود، وذلك بعد يوم من طرح هذا المقترح في قمة غير رسمية لقادة الاتحاد. وصف كوستا هذه الفكرة بأنها “مسألة غير مطروحة”، مؤكداً في مؤتمر صحفي أن النقاش لم يتناولها على الإطلاق داخل القاعة.
كانت فكرة “التعاون المعزز” قد برزت بشكل لافت في ديسمبر الماضي، عندما قرر قادة الاتحاد تقديم قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا دون مشاركة المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك. ويُعد التعاون المعزز أداة قانونية تم استخدامها سابقًا في حالات محدودة، نظرًا لأن عمل الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل أساسي على القرارات القائمة على الإجماع. فالتوجه نحو التعاون المعزز قد يشير إلى تفضيل القادة للسرعة على الإجماع.
كوستا يؤكد إمكانية الوحدة الأوروبية رغم الجدل حول “أوروبا بسرعتين”
على الرغم من ظهور فكرة “أوروبا بسرعتين” في الآونة الأخيرة، إلا أن رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، راهن على إمكانية تحقيق الوحدة الأوروبية، مشيراً إلى أن الدول الأعضاء ستبلغ في النهاية بالسرعة المطلوبة، وليس بالضرورة من خلال هيكل أوروبي مقسم. وأوضح كوستا أن بعض الدول الأعضاء لديها “شكوك” بشأن “نطاق” النظام الثامن والعشرين، وهو اقتراح لا يزال قيد الإعداد الرسمي، ولكنه أشار إلى وجود اتفاق “واسع” على ضرورة اعتماده لتمكين رواد الأعمال من تجاوز 27 نظامًا شركويًا مختلفًا.
فيما يتعلق بـ “اتحاد المدخرات والاستثمار”، أشار كوستا إلى وجود دولة واحدة فقط لا تزال لديها تحفظات على المقترح المتعلق بمركزية الرقابة المالية في الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق (ESMA) في باريس. ويُعتقد على نطاق واسع أن هذه الدولة هي لوكسمبورغ، التي طالما جادلت بأن التكامل فوق القومي لأسواق رأس المال سيؤدي إلى تنظيم مفرط، وزيادة التكاليف على الشركات، والفشل في جذب تمويل جديد.
من جهة أخرى، وعلى النقيض من موقف كوستا، أبرزت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال المؤتمر، ملفين تشريعيين يمكن النظر فيهما من خلال التعاون المعزز: المرحلة الأولى من “اتحاد المدخرات والاستثمار”، الذي يهدف إلى حشد المدخرات الخاصة غير المستغلة لدعم المشاريع الاستراتيجية، و”النظام الثامن والعشرين”، الذي يهدف إلى إنشاء إطار موحد لتأسيس الشركات في جميع أنحاء الكتلة. وأشارت فون دير لاين إلى أن التعاون المعزز بشأن اتحاد المدخرات والاستثمار قد يتم تفعيله بحلول يونيو إذا لم يتم إحراز “تقدم كافٍ” من قبل العواصم.
وأضافت: “غالباً ما نتحرك بسرعة أبطأ بطء. والتعاون المعزز يتجنب ذلك”، مخاطبة الصحفيين في وقت سابق. وللمضي قدماً، ذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الاقتصاد الأوروبي يحتاج إلى أجندة جديدة يتم الاتفاق عليها بين 27 دولة أو من خلال ائتلافات أصغر بحلول الصيف. وأضاف ماكرون: “ما قررناه اليوم هو أنه بين الآن ويونيو، سيتعين علينا وضع اللمسات الأخيرة على الأجندة. وإذا لم يكن لدينا في يونيو آفاق ملموسة وتقدم ملموس، فسنواصل بالتعاون المعزز”.
دولة واحدة تثير التحفظات على اتحاد المدخرات والاستثمار
كانت دول مثل أيرلندا ومالطا وقبرص، وهي دول صغيرة ذات قطاعات مالية مهمة، قد أعربت عن تحفظات في الماضي، لكنها اعتبرت الآن أنها انضمت إلى الركب. وعلى الرغم من هذه التطورات، قال كوستا: “شعوري هو أنه سيكون من الممكن المضي قدمًا دون تعاون معزز. وإذا دعت الحاجة، فلا مشكلة”. وأضاف: “بعض القادة يستخدمون هذا لوضع ضغط على قادة آخرين وإقناع أحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي بأنه لا ينبغي أن يكون خارج اتحاد المدخرات والاستثمار”.
في تأمل لنتائج القمة غير الرسمية، التي أسفرت عن التزام مبدئي بإكمال السوق الموحدة بحلول نهاية عام 2027، أكد كوستا على “الشعور بالإلحاح” الذي تشاركه الدول الأعضاء، متجاوزًا النقاشات “الأيديولوجية”. وقال: “يفهم الجميع أننا تحت ضغط من الخارج لأن النظام الدولي القائم على القواعد يتعرض للتهديد، وأن بعض الوكلاء الاقتصاديين والبلدان يروجون لمنافسة غير عادلة، وأننا بحاجة إلى التحرك لتعزيز الازدهار وأيضًا لزيادة أمننا الخاص”.
تبقى الأنظار متجهة نحو شهر يونيو المقبل، التاريخ الذي حددته رئيسة المفوضية الأوروبية كموعد نهائي لاتخاذ قرار بشأن تفعيل التعاون المعزز فيما يتعلق بـ “اتحاد المدخرات والاستثمار”، في حال عدم تحقيق تقدم ملموس في حشد الدعم اللازم من جميع الدول الأعضاء. وهذا يضع ضغطًا إضافيًا على الدول المترددة، بما في ذلك لوكسمبورغ، لاتخاذ موقفها النهائي بشأن مستقبل هذه المبادرات الاقتصادية الهامة.






