تسعى شركة كهرباء فرنسا (إي دي إف) إلى تعزيز التعاون مع كبرى شركات البناء في البلاد لضمان نجاح مشاريعها الطموحة في بناء مفاعلات نووية جديدة، وذلك في ظل التحديات المتزايدة المتعلقة بالتكاليف ونقص العمالة الماهرة. تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الشركة المملوكة للدولة لتقديم تقديرات أكثر واقعية لتكلفة هذه المشاريع الحيوية، والتي تعتبر أساسية لتحقيق أهداف فرنسا في مجال الطاقة المستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

تشمل الشركات التي تجري معها “إي دي إف” محادثات “بويغ” و”إيفاج” و”فينتشي”، بالإضافة إلى شركات أصغر حجماً. وتهدف هذه المحادثات إلى الانتقال من نموذج التنافس بين الشركات إلى نموذج التعاون وتبادل الخبرات، وهي خطوة ضرورية لمواجهة التعقيدات التي تنطوي عليها مشاريع البناء النووي.

المفاعلات النووية الجديدة وتحديات التكلفة

تواجه “إي دي إف” ضغوطاً كبيرة من الحكومة الفرنسية لتقديم ميزانية وجدول زمني واضحين وموثوقين لتكلفة بناء ستة مفاعلات نووية جديدة. وقد قدرت التكاليف الأولية لهذه المفاعلات بنحو 80 مليار يورو، باستثناء تكاليف التمويل، وفقاً لتقرير صادر عن مدقق حسابات الدولة الفرنسي في يناير.

تأتي هذه الزيادة المتوقعة في التكاليف في وقت تسعى فيه فرنسا إلى تحديث بنيتها التحتية للطاقة النووية، حيث من المقرر أن تحل هذه المفاعلات الجديدة محطةً محل بعض من المحطات القديمة الـ 57 التي تديرها الشركة حالياً.

نقص العمالة الماهرة كعائق رئيسي

يُعد نقص العمالة الماهرة تحدياً كبيراً يواجه مشاريع البناء النووي في فرنسا. وتشير التقارير إلى أن هذا النقص يؤثر على سرعة تنفيذ المشاريع، مما قد يؤدي إلى تأخيرات وزيادة في التكاليف. تُواجه مشاريع مماثلة في المملكة المتحدة، مثل مشروع “هينكلي بوينت سي”، أيضاً تحديات مماثلة بسبب قيود العمالة.

وبالنظر إلى التوجه العالمي نحو استخدام الطاقة النووية كبديل للوقود الأحفوري، فإن الشركات الفرنسية تعمل على تطوير حلول مبتكرة لتحسين كفاءة العمليات وسد الفجوة في العمالة الماهرة. وتشمل هذه الحلول الاستثمار في التدريب والتأهيل المهني، وزيادة استخدام التكنولوجيا والأتمتة في مواقع البناء، وتحسين ظروف العمل لجذب المزيد من العمال.

في العام الماضي، منحت “إي دي إف” عقداً لشركة “إيفاج” بقيمة تزيد عن 4 مليارات يورو للقيام بأعمال الهندسة المدنية في محطتي بينلي النوويتين، مما يؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه شركات البناء الفرنسية في هذا المجال. وتشمل الأعمال الأولية في بينلي، والتي بدأت في منتصف عام 2024، بناء الهياكل الأساسية للمحطتين.

في المقابل، واجهت شركة “بويغ” انتكاسة بعد خسارة عقد أعمال بينلي لصالح “إيفاج”. وتتولى “بويغ” حاليًا مسؤولية بناء العناصر الرئيسية في محطتي “هينكلي بوينت” و”سيزويل” في المملكة المتحدة، وتواجه تحديات مماثلة تتعلق بالتكاليف والتأخيرات.

يرى خبراء في مجال الطاقة أن التعاون بين شركات البناء الفرنسية سيكون أكثر فعالية من التنافس، حيث يسمح بتبادل أفضل الممارسات والدروس المستفادة وتنسيق الجهود لتنفيذ المشاريع بكفاءة أكبر. وتدعو “إي دي إف” الشركات إلى العمل معاً لتطوير حلول مبتكرة لتحديات البناء النووي، بما في ذلك نقص العمالة الماهرة والتكاليف المرتفعة.

صرحت شركة “إيفاج” أنها تعمل بشكل وثيق مع “إي دي إف” لضمان نجاح برنامج بناء المحطات النووية الجديدة من خلال تبادل الخبرات والاستثمارات.

بينما رفض متحدثون باسم “إي دي إف” و”بويغ” التعليق بشكل مباشر، أشارت متحدثة باسم “فينتشي” إلى أن الشركة تنتظر مقترحات مفصلة من “إي دي إف” قبل أن تتمكن من تقديم أي تعليقات.

من المتوقع أن تتخذ “إي دي إف” قرارًا استثماريًا نهائيًا بشأن بناء ستة مفاعلات نووية جديدة بحلول نهاية العام المقبل، وذلك بعد الحصول على موافقة الاتحاد الأوروبي على قرض حكومي مخطط له. وستكون هذه خطوة حاسمة نحو تحديث البنية التحتية للطاقة النووية في فرنسا وتحقيق أهدافها في مجال الطاقة النظيفة. تبقى مراقبة التطورات المتعلقة بتقديرات التكاليف وتوافر العمالة الماهرة أمراً بالغ الأهمية لضمان سير المشاريع بسلاسة ووفقاً للجدول الزمني المحدد.

شاركها.