السودان على حافة الهاوية: تصعيد عسكري يغلق أبواب السلام
يشهد الصراع في السودان منعطفاً خطيراً مع تصاعد حدة التصريحات المتبادلة بين طرفي النزاع، مما يعكس اتساع فجوة الحل السياسي وتعقد المشهد العسكري. فقد جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني وقائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رفضه القاطع لأي تفاوض أو سلام مع قوات الدعم السريع التي وصفها بـ«المرتزقة والتمرد». جاءت هذه التصريحات بعد أقل من 24 ساعة على خطاب تصعيدي لقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي لوّح فيه باستمرار الحرب لعقود قادمة، مما ينذر بدخول البلاد في مرحلة أكثر ضراوة واستنزافاً.
البرهان يرفض التسوية ويتمسك بحسم الصراع في السودان عسكرياً
أدى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان صلاة الجمعة في مسجد حي الروضة بمنطقة الدرويشاب بمحلية بحري، حيث استغل المناسبة لتوجيه رسائل حاسمة. وأكد البرهان المضي قدماً في ما أسماها «معركة الكرامة» حتى القضاء التام على التمرد. وشدد على أن الشعب السوداني يقف بفاعلية خلف القوات المسلحة ضد من وصفهم بـ«أوباش التمرد»، معتبراً أن الجيش يمثل «صمام أمان السودان». وأضاف أن محاولات اختطاف الدولة السودانية من قبل «المأجورين والخونة» قد تكسرت أمام إرادة الشعب، مؤكداً أنه لن يتم فرض أي حلول لا ترضي السودانيين. وفتح البرهان باباً لمن يسلم سلاحه، مشيراً إلى أن الكلمة الأخيرة ستكون للشعب في العفو أو المحاسبة، مما يعكس نفاد صبره تجاه استمرار الصراع في السودان.
جذور الأزمة وتراكمات الخلاف العسكري
لم يأتِ هذا التصعيد من فراغ، بل هو نتيجة لتراكمات طويلة من الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني، وهو البند الذي كان يمثل حجر الزاوية في الاتفاق الإطاري المدعوم دولياً لتسليم السلطة للمدنيين. منذ اندلاع شرارة القتال في منتصف أبريل 2023، تحولت العاصمة الخرطوم وعدة ولايات أخرى، خاصة في إقليم دارفور، إلى ساحات معارك مفتوحة. هذا التحول الدراماتيكي أجهض الآمال في انتقال ديمقراطي سلس، وأعاد البلاد إلى مربع العنف الذي عانت منه لعقود، مما جعل الأزمة الحالية واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السودان الحديث، واستمرار الصراع في السودان يزيد الأمور تعقيداً.
حميدتي يلوح بحرب استنزاف طويلة الأمد
في المقابل، ظهر محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطاب ميداني بعد غياب طويل، متحدثاً إلى عشرات القادة والضباط من قواته في قاعدة عسكرية بولاية جنوب دارفور. حملت رسالته طابع التعبئة العسكرية، حيث صرح بأن قواته مستعدة لمواصلة القتال حتى عام 2040 إذا استدعت الظروف ذلك. وأشار حميدتي إلى أن تقديرات الجيش السوداني نفسه تتحدث عن إمكانية استمرار الحرب حتى عام 2033، مؤكداً أنه لا مانع لديهم من خوض حرب تستمر لأربعين عاماً أخرى. واعتبر أن قيادة الجيش تنظر إلى التفاوض كـ«علامة ضعف»، نافياً أن تكون قواته تسعى للسلام من موقف تراجع، رغم إقراره بأن استمرار الحرب لا يحقق مكاسب لأي طرف.
التداعيات الإنسانية والإقليمية لاستمرار الحرب
إن استمرار الصراع في السودان وتمسك كل طرف بموقفه ينذر بتداعيات كارثية تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد الداخلي، أدى القتال إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع تدهور حاد في البنية التحتية والنظام الصحي، وشبح مجاعة يهدد ملايين المدنيين. أما إقليمياً ودولياً، فإن إطالة أمد الحرب تزيد من مخاطر زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي ودول الجوار التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية واقتصادية. يرى مراقبون أن لغة التصعيد الحالية وتراجع فرص التسوية السياسية في المدى القريب، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للضغط على الأطراف المتنازعة للعودة إلى طاولة الحوار، وتجنب انزلاق السودان نحو فوضى شاملة يصعب تداركها.
في ظل تصاعد خطاب الكراهية والقبول باستمرارية الحرب، يجد الشعب السوداني نفسه رهينة لصراعات لا تبدو في الأفق القريب لها نهاية. إن العودة إلى طاولة المفاوضات، والتخلي عن لغة التهديد والوعيد، أصبح ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ندعوكم لمتابعة آخر التطورات حول الأزمة السودانية، والمشاركة في رفع الوعي الدولي بخطورة الوضع، والضغط من أجل حل سلمي يحقن الدماء ويعيد الأمل للشعب السوداني.





